ولم يشهد التاريخ أمة قوية رحيمة بالضعفاء في فتوحها كالأمة العربية، كما اعترف بذلك المنصفون من الإفرنج، فقد قال جوستاف لوبون الفيلسوف الفرنسي: ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب!
وما يتجنَّى به أعداء الإسلام من دعواهم أن الإسلام قام بالسيف، فقول يكذبه التاريخ ولا يؤيده من ينظر إلى الأمور بعين الإنصاف ويدع الهوى وراءه ظهريا. [1]
عن أبي عمران - رضي الله عنه - قال: كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر - رضي الله عنه -، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد - رضي الله عنه -، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل بينهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله! يُلقي بيده إلى التهلكة! فقام أبو أيوب فقال: أيها الناس! إنكم لتأولون هذا التأويل؟ وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار .. لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله تعالى قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا وأصلحنا ما ضاع منها .. فأنزل الله تعالى على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ما يرد علينا ما قلناه: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} . وكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو. فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم.
(1) تفسير المراغي - في ظلال القرآن - تفسير الشعراوي