أما من اكتسب رزقه من الشُّبَه، وأذلَّه الطمع للناس، فهو وإن كان عزيزا في الظاهر، فإن قلبه بأنواع الذل عامر، وهو وإن كان في الظاهر غنيًا بما جمع، فهو في الباطن فقير بالحرص والطمع. وتأبى المكاسب الدنية إلا أن تورث أصحابها هذه الأخلاق الردية. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وهذا المعنى أكَده علي بن أبي طالب حيث قال: الجهاد في سبيل الله باب
من أبواب الجنة، ومن ترك الجهاد في سبيل الله ألبسه الله الذلة،
وشمله البلاء، ودُيِّث بالصَّغار [1] وسيم الخسف،
ومنع النصف! [مشارع الأشواق - عبر من السيرة لعزام]
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"غَزَا نبيٌّ من الأنبياءِ فقالَ لقومِهِ: لا يَتْبَعْني رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امرأةٍ وهو يريدُ أنْ يَبنيَ بها ولَمَّا يَبْنِ بها، ولا أحَدٌ بنى بيوتًا ولم يرفع سقوفَها، ولا أحَدٌ اشترى غنمًا أو خَلِفَاتٍ وهو ينتظرُ ولادَها .. فغزا فدنا مِن القريةِ صلاةَ العصرِ أو قريبًا مِن ذلك فقالَ للشمسِ: إنكِ مأمورةٌ وأنا مأمورٌ .. اللهمَّ احبسْها علينا، فحُبِسَتْ حتى فتحَ اللهُ عليهِ .." [رواه البخاري]
[قوله: (غزا نبي من الأنبياء) أي أراد أن يغزو، وهذا النبي هو يوشع بن نون.
وقوله: (بُضع امرأة) : البُضع يُطلق على الفرج والتزويج والجماع، والمعاني الثلاثة لائقة هنا، ويُطلق أيضا على المهر وعلى الطلاق،
(1) دُيِّث بالصَّغار: ذُلِّل بالذل والهوان.