فهرس الكتاب

الصفحة 579 من 1021

والاشتغال بطاعته، فأي رتبة أعلى من هذا، وأي سعادة فوق هذا، ويحتمل في (اجتباكم) خصكم بالهداية والمعونة والتيسير .. فقد اختاركم -يا معشر المسلمين- من بين الناس، واختار لكم الدين، ورضيه لكم، واختار لكم أفضل الكتب وأفضل الرسل، فقابلوا هذه المنحة العظيمة، بالقيام بالجهاد فيه حق القيام، ولما كان قوله: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) ربما توهم متوهم أن هذا من باب تكليف ما لا يطاق، أو تكليف ما يشق، احترز منه بقوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) أي: مشقة وعسر، بل يسره غاية التيسير، وسهله بغاية السهولة، فما أمر وألزم إلا بما هو سهل على النفوس، لا يثقلها ولا يؤودها، ثم إذا عرض بعض الأسباب الموجبة للتخفيف، خفف ما أمر به، إما بإسقاطه، أو إسقاط بعضه.

فما جعل عليكم في الدين الذي تعبدكم به ضيقا لا مخرج لكم منه، بل وسَّع عليكم وجعل لكم من كل ذنب مخلصا، كما فتح لكم باب التوبة، وشرع لكم الكفارات في حقوقه، ونحو الآية قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185]

فقد انتدبكم الله لهذه الأمانة الضخمة، واختاركم لها من بين عباده .. وإن هذا الاختيار ليضخم التبعة، ولا يجعل هنالك مجالًا للتخلي عنها أو الفرار! وإنه لإكرام من الله لهذه الأمة ينبغي أن يقابل منها بالشكر وحسن الأداء! [1]

قال ابن القيم: ولما كان الجهاد ذروة سنام الإسلام وقبته، ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة، كما لهم الرفعة في الدنيا؛ فهم الأعلون في الدنيا والآخرة؛ كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الذروة العليا منه،

(1) مفاتيح الغيب - تيسير الكريم الرحمن - تفسير المراغي - الظلال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت