فكانت هذه الحقائق الماثلة أمام أنظار المصرييين تستل من قلوبهم السخائم [1] ؛ فتمتلئ تلك القلوب محبة واحتراما لهذه الأمة الفاتحة المفطورة على الرفق والاعتدال، والشهامة والإنصاف، وإيثار الخير، والتقلب مع الحق حيثما اتجه ..
إن هذا الموقف الأدبي لعمرو بن العاص وصحبه؛ عقب انتصارهم الحربي العجيب؛ يُعد الحادث الأول من نوعه في التاريخ! ومصر على الخصوص لا تعرف له نظيرا في كل ما تقدم لها من احتكاك واصطدام واتصال بالملل الأخرى؛ فقد جربت الروم والوثنيين فلقيت منهم الأمرين؛ وهي تؤرخ بأيام الشؤم التي لقيتها منهم! وجربت الفرس الذين يدينون بالمجوسية فلم تحمد هذه التجربة، وكان الروم المسيحيون لا يتسامحون ولا بيسير الاختلاف مع الاتفاق في أصل العقيدة!
أما هؤلاء المنقضون على وادي النيل من جزيرة العرب كما تنقض الصواعق؛ فإنهم أرفق وأرحم، وأحجى وأنبل من الذين تقلبوا في أحضان الحضارة
من روم وفرس؛ فلم ترقق الحضارة من أفئدتهم، بل
تركتها كالحجارة أو أشد قسوة!!
(1) السَّخيمة والسُّخْمَة: الحقد في القلب، والجمع: سخائم، ورجل مُسَخَّم إذا كان في قلبه سخيمة.