وإنما رتَّب نبذ العهد على خوف الخيانة دون وقوعها؛ لأن شئون المعاملات السياسية والحربية تجري على حسب الظنون ومخائل الأحوال ولا يُنتَظر تحقُّق وقوع الأمر المظنون؛ لأنه إذا تريَّث وُلاة الأمور في ذلك يكونون قد عرضوا الأمة للخطر، أو للتورط في غفلة وضياع مصلحة، ولا تُدار سياسة الأمة بما يُدار به القضاء في الحقوق؛ لأن الحقوق إذا فاتت كانت بليَّتها على واحد، وأمكن تدارك فائتها. ومصالح الأمة إذا فاتت تمكَّن منها عدوها، فلذلك علَّق نبذ العهد بتوقُّع خيانة المعاهدين من الأعداء، ومن أمثال العرب: خُذ اللص قبل أن يَأخُذَك، أي: وقد علمت أنه لص.
والإسلام يعاهد ليصون عهده؛ فإذا خاف الخيانة من غيره نبذ العهد القائم جهرة وعلانية، ولم يخن ولم يغدر، ولم يغش ولم يخدع، وصارح الآخرين بأنه نفض يده من عهدهم. فليس بينه وبينهم أمان ..
وبذلك يرتفع الإسلام بالبشرية إلى آفاق من الشرف والاستقامة، وإلى آفاق من الأمن والطمأنينة .. إنه لا يبيت الآخرين بالهجوم الغادر الفاجر وهم آمنون مطمئنون إلى عهود ومواثيق لم تنقض ولم تنبذ؛ ولا يروِّع الذين لم
يأخذوا حذرهم حتى وهو يخشى الخيانة من جانبهم ..
فأما بعد نبذ العهد فالحرب خدعة؛ لأن كل خصم قد أخذ حذره؛ فإذا جازت الخدعة عليه فهو غير مغدور به إنما هو غافل! وكل وسائل الخدعة حينئذ مباحة لأنها ليست غادرة!