فهرس الكتاب

الصفحة 629 من 1021

وأحست قريش -بعد فوات الأوان- خطأها؛ فخرج أبو سفيان إلى المدينة يُصلح ما أفسده قومه، ويحاول أن يعيد للعقد المهدَر حرمته!

وبلغ المدينة فذهب إلى ابنته أم حبيبة - رضي الله عنها -، وأراد أن يجلس على الفراش؛ فطوته دونه. فقال: يا بنية ما أدري أرغبتِ بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟

فقالت: بل هو فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنت مشرك نجس! [1] قال: والله لقد أصابك بعدي شر! ثم خرج حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكلمه، فلم يرد عليه شيئا.

واستشفع أبو سفيان بأبي بكر ليُحدِّث النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الشأن فرفض، فتركه إلى عمر؛ فقال عمر: أنا أشفع لكم عند رسول الله؟! والله لو لم أجد إلا الذَّرَّ لجاهدتُكم به. فتركهما إلى عليٍّ؛ فردَّ عليه: والله يا أبا سفيان لقد عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، ثم نصحه أن يعود من حيث جاء .. فقفل أبو سفيان إلى قومه يخبرهم بما لقي من صدود.

وأمام نقض قريش للعهود والمواثيق مع المسلمين؛ فقد عزم

(1) وهذا الموقف لا يستغرب من أم حبيبة، فهي ممن هاجر الهجرتين وقد قطعت صِلاتها بالجاهلية منذ أمد بعيد، إنها لم تر أباها منذ ست عشرة سنة، فلما رأته لم تر فيه الوالد الذي ينبغي أن يُقدَّر ويُحترَم، وإنما رأت فيه رأس الكفر الذي وقف في وجه الإسلام وحارب رسوله تلك السنوات الطويلة, وهذا ما كان يتصف به الصحابة رضوان الله عليهم من تطبيق أحكام الإسلام في الولاء والبراء وإعزاز الإسلام والمسلمين. وفي مخاطبة أم حبيبة لأبيها بهذا الأسلوب -مع كونه أباها ومع مكانته العالية في قومه وعند العرب- دليلٌ على قوة إيمانها ورسوخ يقينها، لقد كان في سلوك أم حبيبة مظهر من اجتهاد الصحابة البالغ في إظهار أمر له أهميته البالغة في المحافظة على شخصية المسلم ودفع معنوياته إلى النماء والحيوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت