وعزَّ على العباس أن تُجتاح مكة في أعقاب قتال تتفانى فيه ولا يغنيها فتيلًا. فخرج
يبحث عن وسيلة تقنع قريشا بمسالمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتُدخلها في أمانه.
وصادف ذلك أن ثلاثة من كبراء مكة خرجوا يتعرفون الأخبار، ويتسمعون ما يقال، فلما اقتربوا من الوادي راعهم ما به. قال أبو سفيان: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا .. ! فقال بديل بن ورقاء: هذه -والله- خزاعة حمشتها الحرب. فرد أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها.
وسمع العباس أصواتهم فعرفهم فقال: يا أبا حنظلة! فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم، قال: مالك، فداك أبي وأمي؟! قال العباس: قلت: ويحك يا أبا سفيان, هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الناس؛ واصباح قريش والله! قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟! قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله فأستأمنه لك، قال: فركب خلفي ورجع صاحباه، فجئت به، كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا عليها قالوا: عم رسول الله على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال: من هذا؟ وقام إليّ؛ فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله؟! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ودخل عليه عمر فقال: يا رسول الله! هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني فلأضرب عنقه .. قال: قلت: يا رسول