فهرس الكتاب

الصفحة 635 من 1021

وأصبحت"أم القرى"وقد قيَّد الرعب حركاتها، واسترخت تجاه القدر المنساق إليها، فاختفى الرجال وراء الأبواب الموصدة، أو اجتمعوا في المسجد الحرام يرقبون مصيرهم وهم واجمون ..

على حين كان الجيش الزاحف يتقدم، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ناقته تتوج هامته عمامة دسماء، ورأسه خفيض من شدة التخشع لله، لقد انحنى على رحله وبدا عليه التواضع الجمّ حتى كاد عثنونه [1] يمس واسطة الرحل. إن الموكب الفخم المهيب الذي ينساب به حثيثا إلى جوف الحرم، والفيلق الدارع الذي يحف به ينتظر إشارة منه فلا يبقى بمكة شيء آمن .. إن هذا الفتح المبين ليذكره بماض طويل الفصول كيف خرج مطاردا .. ؟ وكيف يعود اليوم منصورا مؤيدا .. ! وأي كرامة عظمى حفَّه الله بها في هذا الصباح الميمون .. ! وكلما استشعر هذه النعماء ازداد لله على راحلته خشوعا وانحناء.

هذا وقد حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على تأمين الجبهة الداخلية في مكة عند دخوله يوم الفتح؛ ولذلك عندما بلغته مقولة سعد بن عبادة لأبي سفيان: اليوم يوم الملحمة، اليوم نستحل الكعبة, قال - صلى الله عليه وسلم:"هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة"؛ وأخذ الراية من سعد بن عبادة وسلمها لابنه قيس بن سعد؛ وبهذا التصرف الحكيم حال دون أي احتمال لمعركة جانبية هم في غنى عنها، وفي نفس الوقت لم يثره, ولا أثار الأنصاري؛ فهو لم يأخذ الراية من أنصاري ويسلمها لمهاجر، بل أخذها من أنصاري وسلمها لابنه، ومن طبيعة البشر ألا يرضى الإنسان بأن يكون أحد أفضل منه إلا ابنه.

(1) عثنونه: طرف لحيته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت