فهرس الكتاب
عددها على أربعة آلاف مقاتل، وليس على وجه الأرض قائد -لا في ذلك الوقت ولا
في أي وقت- يبلغ به الاعتداد بالنفس والاعتماد على خالقها أن
يقتحم قطرا عظيما كمصر بمثل هذا الجند؛ مهما كانت ثقته
بشجاعة رجاله وبمن يوافيهم بعد ذلك من الأمداد!!
من معجزات تاريخ الحروب:
إن الذين يقيسون بطولة القادة والفاتحين بمقياس النتائج العسكرية لحركاتهم الحربية، مع مقارنتها بالوسائل التي كانت بين أيديهم، وإكمالهم نقائص هذه الوسائل بدهائهم وحسن تدبيرهم وقوة عزائمهم؛ يقضون العجب من إقدام عمرو بن العاص على اقتحام الحدود المصرية على رأس حملة متواضعة في عددها واستعدادها الحربي. ولو أن عمرا لم يسبق له ارتياد مصر والتغلغل في عاصمتها يومئذ وهي مدينة الإسكندرية؛ لكان هنالك مجال للظن بأنه غامر في هذه الحملة جزافًا وبلا حساب! أما وأنه يعرف مصر في عمرانها وتعداد سكانها، وقد حارب في سوريا وفلسطين جيوش الدولة الأجنبية التي كانت تحتل مصر أيضا بجيوشها، فمن غير المعقول أن يكون مدفوعا إلى هذه المغامرة العجيبة عن قلة تقدير للمسئوليات الحربية، وعن استخفاف بفنون القتال وأعبائه؛ فهو جد خبير باستعداد أعدائه الحربي، وبأساليبهم العسكرية، وأنظمتهم في التعبئة هجوما ودفاعا، ويعلم أن لديهم من قادة الحرب كل صعب المراس، متمرن على الكر والفر، معتمد على المعاقل والقلاع في الحصار والمطاولة. بل إن أدهى الروم وهو الأرطبون كان قريع عمرو ونده في