فهرس الكتاب

الصفحة 697 من 1021

عجائب التاريخ أن الإسكندر المقدوني -تلميذ أرسطو أعظم حكماء الدنيا في زمانه- لم يحاول عند استيلائه على مصر، وبعد تشييده مدينة الإسكندرية؛ أن يعلن بطلان ذلك النظام القديم، فبقي كما كان في أيامه وأيام خلفائه البطالسة ومَن بعدهم إلى أن ألغي عمليا وبلا تبجح ولا امتنان؛ عقب فتح عمرو لهذه الأرض المباركة .. ولو لم يكن لعمرو وللفتح الإسلامي من المآثر غير هذه المأثرة الاجتماعية لكان أمرها عظيما ..

وقد تعوّد المؤرخون أن ينعتوا عمرا بـ"فاتح مصر".. بيد أن في هذا الوصف تجوزا وتجاوزا، ولعل أحق النعوت بعمرو أن ندعوه بـ"محرر مصر".. فالإسلام لم يكن يفتح البلاد بالمفهوم الحديث للفتح، إنما كان يحررها من تسلط إمبراطوريتين سامتا العباد والبلاد سوء العذاب، هما: إمبراطورية الفرس .. وإمبراطورية الروم ..

ومصر بالذات، يوم أهلت عليها طلائع الإسلام كانت نهبا للرومان، وكان أهلها يقاومون دون جدوى .. ولما دوّت فوق مشارف بلادهم صيحات الكتائب المؤمنة أن:"الله أكبر .. الله أكبر".. سارعوا جميعا في زحام مجيد صوب الفجر الوافد وعانقوه، واجدين فيه خلاصهم من قيصر ومن الرومان ..

فعمرو بن العاص ورجاله، لم يفتحوا مصر إذن؛ إنما فتحوا الطريق أمام مصر لتصل بالحق مصايرها .. وتربط بالعدل مقاديرها .. وتجد نفسها وحقيقتها في ضوء كلمات الله، ومبادئ الإسلام ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت