في المدائن حاشرين ووعدهم بالعطاء الجزيل، وموسى لا يعرف منهم أحدا ولا رآه ولا اجتمع به، وفرعون يعلم ذلك وإنما قال ذلك تسترا وتدليسا على رعاع دولته وجهلتهم، كما قال تعالى: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ} [الزخرف:54] .
(فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) : ما أصنع بكم من العذاب جزاء على هذا المكر والخداع. ثم بين ذلك بقوله: (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) أي قسما لأنكلنَّ بكم أشد التنكيل، لأقطعنَّ الأيدي والأرجل مِن خلاف، ثم لأصلبنَّ كل واحد منكم وهو على تلك الحال؛ لتكونوا عبرة لمن تحدثه نفسه بالكيد لنا والترفع عن الخضوع لعظمتنا.
والخلاصة: إن اتهامه السحرة بالتواطؤ مع موسى إثما؛ كان تمويها على قومه المصريين؛ إذ خاف عاقبة إيمان الشعب بموسى، فادَّعى أنه لا ينتقم من
السحرة إلا حبا فيهم ودفاعا عنهم وإبقاء لاستقلالهم في وطنهم؛ كما
هو شأن كل رئيس أو ملك في شعب يخاف أن ينتقض عليه وتجتمع
كلمته على اختيار زعيم آخر يقوم بدعوة دينية أو سياسية.
وعندما سمع السحرة هذا التهديد والوعيد من ذلك الجبار المتكبر أجابوه: (قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ) أي إنهم لا يأبهون بقتلهم؛ لأنهم راجعون إلى ربهم راجون مغفرته ورحمته، فتعجيل القتل يكون سببا لقرب لقائه والتمتع بجزائه.