والخلاصة: إن ظهور بطلان سحرهم، وإدراكهم فجأة لآية موسى - عليهم السلام -، وعلمهم بأنها من عند الله لا صنع فيها لمخلوق؛ ملأت عقولهم يقينا وقلوبهم إيمانا فكأنَّ اليقين الحاكم على الأعضاء والجوارح هو الذي ألقاهم على وجوههم سُجدا لرب العالمين الذي بيده ملكوت كل شيء، وزالت
من نفوسهم عظمة فرعون الدنيوية الزائلة؛ بعد أن ظهر لهم صغاره
أمام هذه الآية فنطقوا بما حكى الله عنهم:
(قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ. رَبِّ مُوسى وَهارُونَ) : أي قالوا صدَّقنا بما جاءنا به موسى، وأن الذي علينا أن نعبده هو رب الإنس والجن وجميع الأشياء المدبر لها رب موسى وهارون.
(قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها) : أي إن هذا الذي فعلتموه أنتم وهو ليس إلا مكرا مكرتموه واتفاقا دبَّرتموه من قبل بما أظهرتم من المعارضة والرغبة في الغلب عليه؛ مع إسرار اتباعه بعد ادعاء ظهور حجته كما جاء في سورة طه: {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} فأجمعتم كيدكم لنا في هذه المدينة لأجل أن تُخرجوا المصريين منها بسحركم، ويكون لكم فيها مع بني إسرائيل ما هو لنا الآن من الملك والرياسة والتصرف في البلاد .. !!
وكل ذي لب وفطنة يعلم أن هذه مقالة لا نصيب لها من الصحة، ولا ظل لها من الحقيقة، فإن موسى إثر مجيئه من مدين دعا فرعون إلى الله وأظهر المعجزات الباهرة؛ فلم يكن من فرعون إلا أن أرسل