إن الفتنة في القبر إنما هي لاختبار ما عند الإنسان من حقيقة الإيمان والتصديق. ولا شك أن مَن وقف للقتال ورأى السيوف تلمع وتقطع، والأسنة تبرق وتخرق، والسهام ترشق وتمرق، والرءوس تندر، والدماءَ تثعب، والأعضاء تتطاير، والناس بين قتيل وجريح وطريح، إن مَن رأى ذلك فثبت ولم يول الدبر ولم ينهزم، وإنما جاد بنفسه لله تعالى، إيمانا به، وتصديقا بوعده ووعيده، إنما يكفيه هذا امتحانا لإيمانه، واختبارا له، وهذه هي الفتنة التي ما بعدها فتنة .. إذ لو كان عنده شك أو ارتياب فيما عند الله لولى الدبر، وذهل عما هو واجب عليه من الثبات .. يكفي للشهيد هذا الامتحان من سؤال الفتان.
الشهيد لا يصعق عندما يبعث من قبره يوم القيامة: روى الحاكم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سأل جبرائيل عن هذه الآية: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) : [1] "مَن الذين لم يشأ الله أن يصعقهم؟"قال:"هم شهداء الله" [صححه الألباني]
هذي بساتينُ الجنانِ تَزينَتْ ... للخاطبين فأين مَن يرتادُ
ميعادُنا النصرُ المبينُ فإن يكن ... موتٌ فعندَ إلهِنا الميعادُ
دعنا نمُت حتى ننالَ شهادةً ... فالموتُ في دربِ الهُدى ميلادُ [2]
(1) الزمر: 68
(2) من قصيدة"نسبى ونطرد"للشاعر د/ عبد الرحمن العشماوي