أفرادها في الشيء الواحد، كما يختلف حبهم له وميلهم إليه. وهذا ضرب لا ضرر فيه.
ضرب جدَّت الشرائع في هدمه ومحوه؛ وهو تحكيم الرأي والهوى في أمور الدين وشئون الحياة.
وهذا الضرب من الخلاف -وهو تحكيم الرأي والهوى- كان مصدر شقاء أمم كثيرة؛ فهوت بعد رفعتها، وذلت بعد عزتها، وضعفت بعد قوتها.
والمسلم ما دام محافظا على نصوص دينه لا يخل بواحد منها، مع احترامه لرسوله المفسر لكتابه لا يخرج من جماعة المسلمين لمخالفته سواه. فإذا تحكم الرأي والهوى ولعن بعضهم بعضا، وكفر بعضهم بعضا؛ فقد باء بها من قالها كما ورد في الحديث.
وكذلك الحال في الاختلاف في المعاملة في المسائل السياسية والدينية، لا ينبغي أن يكون مفرقا بين جماعة المؤمنين، بل عليهم أن يرجعوا في النزاع إلى حكم الله وآراء أولي العلم منهم. وبذلك نتقي غائلة الخلاف، ونكون في وفاق، ونصير ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وذكر محمد بن إسحاق في السيرة وغيره أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج. وذلك أن رجلا من اليهود مر بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة، فبعث رجلًا معه، وأمره أن يجلس بينهم، ويذكر لهم ما كان من حروبهم يوم (بُعاث) ؛ ففعل. فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا، ونادوا بشعارهم، وطلبوا أسلحتهم،