إذ الجزع ضعف في الإرادات وخور في العزيمة، والطمع يتنافى مع ضبط النفس، وضبط النفس لا يكون إلا مع الصابرين، والله تعالى مع الصابرين.
وقد رفع الله تعالى الصابرين إلى أعلى المراتب عند الله، فذكر سبحانه أنه يحب الصابرين: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران:146] . والحب أعلى من الرضوان لأنه يتضمن رضا الله وأكثر منه، وهو أن يكون محبوبا عند الله. لأن الصبر تحمل المشقة في طاعة الله. وإن الحرص على معية الله تعالى ومحبته غاية المؤمنين الصادقين. [1]
وقد حذر الله الجماعة المسلمة من التفرق والاختلاف؛ وأنذرها عاقبة الذين حملوا أمانة منهج الله قبلها -من أهل الكتاب- ثم تفرقوا واختلفوا؛
فنزع الله الراية منهم، وسلمها للجماعة المسلمة المتآخية:
قال تعالى: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران:105]
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: (وَلاَ تَكُونُوا) يا معشر الذين آمنوا (كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا) من أهل الكتاب، (وَاخْتَلَفُوا) في دين الله وأمره ونهيه (مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيّنَاتُ) من حُجج الله، فيما اختلفوا فيه، وعلموا الحق فيه فتعمدوا خلافه، وخالفوا أمرَ الله، ونقضوا عهده وميثاقه جراءة على الله .. (وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ) يعني: ولهؤلاء الذين تفرقوا
(1) زهرة التفاسير - تفسير المراغي - التحرير والتنوير - تفسير الشعراوي - في ظلال القرآن