قال قتادة: لم يكن نصر إلا بريح يبعثها. وكان ذلك مناسبا فيكون الفشل فيه ذهاب للريح التي تكون القوة، ولقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"نُصرتُ بالصَّبا وأُهلكت عادٌ بالدَّبُور". [1] [متفق عليه]
وقد حذرهم الله تعالى من ثلاثة أمور: أولها: مخالفة الله ورسوله بالعمل بغير أمر الله ونهيه. والثاني: من مخالفة الرسول القائد، ومخالفة كل قائد رشيد. والأمر الثالث: من التنازع؛ فإن الاختلاف مضيعة الجيوش، ومهلكة الأمم.
فما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه، وإلا حين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفكار. فإذا استسلم الناس لله ورسوله
انتفى السبب الأول الرئيسي للنزاع بينهم -مهما اختلفت وجهات
النظر في المسألة المعروضة- فليس الذي يثير النزاع هو اختلاف
وجهات النظر، إنما هو الهوى الذي يجعل كل صاحب وجهة
يصر عليها مهما تبين له وجه الحق فيها! وإنما هو
وضع (الذات) في كفة، والحق في كفة؛
وترجيح الذات على الحق ابتداء!
وقد ختم الله سبحانه وتعالى الآية بقوله تعالى: (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) وفي هذا النص الكريم يدعو الله تعالى إلى الصبر؛ لأنه قوة الجهاد، وقوة الطاعة، ويربي العزيمة، ويمنع الاختلاف؛ إذ إن الاختلاف ينشا عن الجزع والطمع. والصبر علاج الجزع والطمع معا.
(1) الصَّبَا: الريح الشرقية، والدَّبُور: الريح الغربية.