والأتقياء من أوليائه وجنده وحزبه.
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ. وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال:62 - 63] .
هو الذي أيدك بنصره أول مرة، وأيدك بالمؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وجعل منهم قوة موحدة بعد أن كانت قلوبهم شتى، وعداواتهم جاهرة وبأسهم بينهم شديدا.
سواء كان المقصود هم الأوس والخزرج -وهم الأنصار-؛ فقد كان بينهم في الجاهلية من الثارات والدماء والمنازعات ما يستحيل معه الالتئام فضلًا على هذا الإخاء الذي لم تعرف له الأرض نظيرا ولا شبيها .. أو كان المقصود هم المهاجرون وهم كانوا كالأنصار في الجاهلية .. أو كان الجميع مقصودين؛ فقد كانت هذه هي حالة عرب الجزيرة جميعا!
ولقد وقعت المعجزة التي لا يقدر عليها إلا الله، والتي لا تصنعها إلا هذه العقيدة؛ فاستحالت هذه القلوب النافرة، وهذه الطباع الشَّموس، إلى هذه الكتلة المتراصة المتآخية الذلول بعضها لبعض، المحب بعضها لبعض، المتآلف بعضها مع بعض؛ بهذا المستوى الذي لم يعرفه التاريخ، والذي تتمثل فيه حياة الجنة وسمتها البارزة -أو يمهد لحياة الجنة وسمتها البارزة-: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الحجر:47] إن هذه العقيدة عجيبة فعلا. إنها حين تخالط القلوب تستحيل إلى مزاج من الحب والألفة ومودات