فهرس الكتاب

الصفحة 894 من 1021

ماكان باستطاعة أحد من البشر أن يحققها؛ لأن العرب أمة لاتعرف في حياتها التبعية والانقياد, وقد بلغت بها العصبية القبلية حدا أذهب قوتها ومركزها بين الأمم؛ مع أنها تملك رصيدا ضخما من الشجاعة والخشونة والسخاء .. وهذه من مؤهلات القوة التي لاتملكها الأمم الأخرى التي أترفتها حياة المدن فأصبحت تحب الدعة والسكون. ولكن ذلك الرصيد الضخم من مؤهلات القوة لم يكن مصروفا في وجهه المشروع؛ فجاء الإسلام ووحد بين تلك القبائل حتى أصبحت أمة واحدة تسير وراء هدف واحد، ولكنه لم يَكْبِت في هذه الأمة المتوثبة ذلك الرصيد الضخم من مؤهلات القوة؛ بل صرفه في فترة وجيزة إلى مجاله المشروع بعد أن نمَّى ذلك الرصيد وخطى به خطوات بعيدة.

فبعد أن كان العربي يعتز بالشجاعة ليبني لنفسه مجدا في هذه الحياة جاء الإسلام فمحى من فكره هذه النظرة القريبة، وألغى كل نظرة إلى الحياة الدنيا على أنها هي الهدف، وأبدل ذلك بالنظرة إلى الآخرة .. وهذه النظرة كما أن لها نتائجها المؤثرة بالنسبة لمستقبل الأفراد في الحياة الآخرة؛ فإن لها نتائجها المؤثرة بالنسبة لزيادة الإنتاج من العمل في الحياة الدنيا .. فالمحارب أو العامل الذي يعمل ليكتسب الشهرة والمجد في هذه الحياة الدنيا لا يمكن أن يعمل إلا في الوقت الذي يراه فيه الناس؛ لأنه إنما ينتظر المكافأة المعنوية من قِبَلهم, وبالتالي تفوت فُرَص كبيرة كان بالإمكان أن ينتج فيها؛ في الوقت الذي لايطلع على عمله أحد ممن ينتظر منه الثناء عليه ونقل محامده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت