لقد أرجع الله سبحانه الفشل وهو الهزيمة والتنازع والعصيان إلى وجود شائبة في الإيمان لم يصل بسببها إلى الخلوص والتجرد وهي شائبة إرادة الدنيا: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا .. )
وكذلك في حُنين نرى الأمر جليا واضحا، فلقد أعطى الله سبحانه المؤمنين عبرة واضحة، فأراهم الهزيمة ثم النصر، وربط الهزيمة بسبب عدم خلوص الإيمان وصفائه وكمال تجرده، وربط النصر بسبب خلوص الإيمان وصفائه في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين الذين ثبتوا حوله.
قال تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [التوبة:25 - 26]
لقد ذكر الله تعالى هنا الإعجاب بالكثرة، ثم رتب على ذلك الهزيمة بـ"الفاء التعقيبية"التي تفيد التعقيب والترتيب: (فَلَمْ تُغْنِ .. ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ)
لقد كان الإعجاب بالكثرة هنا على حساب الإقبال على الله وطلب النصر منه والتوكل عليه سبحانه، فوكلهم الله إلى ما علقوا أنفسهم به ووجهوا قلوبهم إليه، وهي: (الكثرة) ؛ فلم تغن عنهم شيئا وكانت الهزيمة والإدبار، والله سبحانه لا يكل عبده المؤمن ولا يتخلى عنه ولا يخذله -خصوصا ساعة الشدائد- إلا إذا غلب على قلب ذلك