فهرس الكتاب

الصفحة 984 من 1021

في القلوب، وإذا كانت الدنيا في يد العبد لا في قلبه، استوى في عينه إقبالها وإدبارها؛ فلم يفرح بإقبالها، ولم يحزن على إدبارها.

ولو نظرنا إلى العشرة المبشرين بالجنة لوجدنا أن أكثرهم كانوا من أصحاب رءوس الأموال الطائلة ومن التجار، فهذا أبو بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف لو نظرنا إليهم بمنظار العصر لقيل: إنهم من أصحاب الملايين، فهل تخلف أحدهم عن غزوة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ هل ألهاهم التكاثر فمنعوا الإنفاق في سبيل الله؟ كلا والله ثم كلا .. هل سعوا للرئاسة والتفاخر وتزكية النفس وطلب المدح؟ لا والله ما فعلوا، بل هم أبعد الأمة عن هذه الأمور، وكانوا يجودون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ولنصرة دينه ولنصرة النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ولقد وعى سلفنا الصالح تلك المعاني، وقدروها حقّ قدرها، فترجموها إلى مواقف مشرفة نقل التاريخ لنا كثيرا منها، وكان حالهم ما قاله الحسن البصري:

أدركت أقواما وصحبت طوائف ما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا إذا أقبل، ولا يأسفون على شيء منها إذا أدبر، وكانت في أعينهم أهون من التراب.

لقد نظروا إليها بعين البصيرة، ووضعوا نُصب أعينهم قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُور} [فاطر:5] ؛ فهانت عليهم الدنيا بكل ما فيها، واتخذوها مطية للآخرة وسبيلًا إلى الجنة.] [1]

(1) فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب: محمد نصر الدين عويضة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت