يا دنيا، غرّي غيري إلي تعرّضت، أم إليّ تشوّقت، هيهاتَ هيهات! قد باينتك ثلاثًا لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك حقير؛ آهٍ من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق! فبكى معاوية رحمه الله وقال: رحم الله أبا الحسن، فلقدكان كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذُبح واحدها في حجرها.
أبو حمزة يهجر زوجته لأنها لا تلد له إلا إناثا؟!
ولبُغْضِ البناتِ هجَر أبو حمزةَ الضبيُّ خَيْمةَ امرأتِه، وكان يَقِيلُ ويَبيتُ عند جيرانٍ له، حينَ ولدت امرأتُه بنتًا، فمرّ يومًا بخبائها وإذا هي ترقّصُها وتقول:
ما لأبي حمزةَ لا يأتِينا ... يظلُّ في البيت الذي يَلِينا
غَضْبانَ ألاّ نلدَ البَنينا ... تاللَّه ما ذلك في أيدينا
وإنّما نأخُذُ ما أُعطِينا ... ونحن كالأرض لزراعينا
قال: فغَدَا الشّيخُ حتّى ولَجَ البيتَ فقبَّلَ رأسَ امرأتِه وابنتها.
البيان والتبيين ـ الجاحظ