وبعد ثلاثةِ أيام هجم ابنُ تاشُفين بجنودِه على المملكةِ الضعيفةِ، وأسر ابنَ عبَّادٍ وقيَّده وسَلَبَ مُلكه، وأخذ دُوره, ودمَّر قصوره، وعاث في حدائقِهِ، ونَقَلَهُ إلى بلدِة (أغماتٍ) أسيرًا، {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} . فتقلَّد ابنُ تاشفين زِمام الحُكمِ، وادعى أنَّ أهل الأندلسِ همُ الذين استدعوْه وأرادوه.
ومرَّتِ الأيامُ، وإذا ببناتِ ابنِ عبَّادٍ يصِلْنه في السجنِ، حافياتٍ باكياتٍ كسيِفاتٍ جائعاتٍ، فلمَّا رآهنّ بكى عند البابِ، وقال:
فيما مضى كُنتَ بالأعيادِ مسرورا ... فساءك العيدُ في أغماتَ مأسورا
ترى بناتِك في الأطمارِ جائعةً ... يغزِلْن للناسِ ما يمْلِكْن قِطميرا
بَرَزْنَ نحْوك للتَّسليمِ خاشعةً ... أبصارُهُنَّ حسيراتٍ مَكاسِيرا
يطان في الطينِ والأقدامُ حافيةٌ ... كأنَّها لم تطأ مِسكًا وكافُورا
ثمَّ دخل الشاعرُ ابنُ اللَّبانةِ على ابنِ عبّادٍ، فقال له:
تَنَشَّقْ رياحين السَّلامِ فإنَّما ... أصُبُّ بها مِسْكًا عليك وحَنْتَما
تكلّمْ مجازًا إن عُدمت حقيقةً ... بأنك ذو نُعمى فقد كُنت مُنعما
بكاك الحيا والريحُ شقَّتْ جُيُوبها ... عليها وتاه الرَّعدُ باسمِك مُعْلِما
روى الترمذيُّ، عن عطاءٍ، عنْ عائشة - رضي اللهُ عنها وأرضاها - أنَّها مرَّتْ بقبرِ أخيها عبدِالله الذي دُفن فيه بمكة، فسلَّمت عليهِ، وقالتْ: يا عبداللهِ، ما مثلي ومثُلك إلا كما قال مُتمِّمٌ:
وكُنَّا كندْماني جُذيْمَةَ بُرهةً ... من الدهرِ حتى قِيل لنْ يتصدَّعا
وعِشْنا بخيرٍ في الحياةِ وقبلنا ... أصاب المنايا رهطَ كسرى وتُبَّعا