سمعا قول الرجل"ألا أيتها البنتان أنا أباكما"أجابتاه بفم واحد"قتيل خذا بالثأر ممن أتاكما"ثم تعلقتا بالرجل, ورفعتاه إلى الحاكم, فاستقرره فأقر بقتله فقتله.
ص: 235
هو سحبان بن زفر بنِ إياد الوائلي، الخطيب الْمِصقَع، المضروبُ به المثل في البلاغة والبيان في الجاهلية, ولما ظهر الإسلام أسلم, وتقلبت به الأحوال حتى التحق بمعاوية, فكان يُعدّه للملمّات، ويتوكأ عليه في المفاخرة.
قدم على معاوية وفد, فطلّ سحبان ليتكلم فقال: أحضروا لي عصًا قالوا: وما تصنع بها وأنت بحضرة أمير المؤمنين؟ قال: ما كان يصنع بها موسى وهو يخاطب ربه, فضحك معاوية, وأمره بإحضارها ثم خطب من صلاة الظهر وإلى أن حانت صلاةُ العصر، ما تنحنح ولا سعل ولا توقف ولا تلكأ ولا ابتدأ في معنى وخرج منه, وقد بقي منه شيءٌ, حتى دُهش منه الحاضرون, فقال معاوية: أنت أخطب العرب: قال سحبان: والعجم والجن والأنس.
وكان سحبان إذا خطب يسيل عرقًا، ومات في خلافة معاوية سنة 54 هـ ومما يؤثر من خطبه قوله: إن الدنيا دارُ بلاغ والآخرةَ دار قرار، أيها الناس: فخذوا من دار ممرّكم لدار مقرّكم، ولا تهتكوا أستارَكم عند من لا تخفي عليه أسرارُكم, وأخرجوا من الدنيا قلوبَكم قبل أن تخرج منها أبدانُكم, ففيها حَييتم ولغيرها ما خلفتم, إن الرجل إذا هلك قال الناس: ما ترك؟ وقالت الملائكة ما قدّم؟ فقدموا بعضًا يكون لكم, ولا تخلفوا كُلًا يكون عليكم. ص: 278 ـ 179