عندما تفضي الخلافة إلى خليفة من الخلفاء , يكثر الشعراء على بابه , وكلٌّ طامع في عطائه ونواله , فبعض الشعراء يتكسب بشعره , وبعضهم يغالي في المديح حتى يجعل منزلة الممدوح أعلى من منزلة الأنبياء ,وبعضهم أفحشَ في الكلام , فاستحق من الناس الملام , وهناك من غالى في وصف محبوبته , وتطرّق إلى الدين في شعره , فجعل الرهبان والعباد الأتقياء , يسجدون لها عندما يسمعون صوتها , أو تمنى أن تكون ضجيعتَه في قبره ولا يبالي بعدها إلى الجنة ونعم المصير, أم إلى جهنم وبئس المصير!! وكم من شاعر اليوم يثني يمدح , وقد كان بالأمس يذم يقدح!!
وظن كثير من الشعراء أن خامس الخلفاء عمرَ بن عبد العزيز مثلُ غيره من الخلفاء - ولم يكونوا على علم بأنه طلق الدنيا ومتاعها لانشغاله بالرعية ومصالح الناس -فعندما (( أفضت الخلافةُ إليه, وفدت إليه الشعراء كما كانت تفد على الخلفاء من قبله، فأقاموا ببابه أيامًا لا يؤذن لهم في الدخول حتى قدم عدي بن أرطأةَ عليه, وكان منه بمكانة, فتعرض له جرير وقال:
يا أيها الرجلُ المزجى مطيَّته ... هذا زمانك إني قد خلا زمني
أبلغ خليفتنا إن كنتَ لاقيَه ... أني لدى الباب كالمشدود في قرَن
لا تنسَ حاجتنا لاقيت مغفرة ... قد طال مكثيَ عن أهلي وعن وطني
فقال: نعم يا أبا عبد الله، فلما دخل على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال: يا أمير المؤمنين: الشعراء ببابك، وألسنتهم مسمومة، وسهامهم صائبة،