بالموعظة ألححت عليه بالضرب, فلما كان يوم من الأيام ألح علي بالموعظة فأوجعته ضربًا, فحلف بالله مجتهدًا ليأتين بيت الله الحرام فيتعلقَ بأستار الكعبة ويدعو عليَّ, فخرج حتى انتهى إلى البيت فتعلق بأستار الكعبة وأنشأ يقول:
يا من إليه أتى الحجّاج قد قطعوا ... عرض المهامِهِ من قرب ومن بعُدِ
إني أتيتك يا من لا يخيّب من ... يدعوه مبتهلًا بالواحد الصمد
هذا منازل لا يرتدّ عن عَقَقي ... فخذ بحقيَ يا رحمن من ولدي
وشُلَّ منه بحول منك جانبَه ... يا من تقدَّس لم يولد ولم يلد
قال: فوالله ما استتم كلامه حتى نزل بي ما ترى, ثم كشف عن شقه الأيمن فإذا هو يابس قال: فأبت ورجعت, ولم أزل أترضّاه, وأخضع له, وأسأله العفو عني إلى أن أجابني أنْ يدعوَ لي في المكان الذي دعا عليّ قال: فحملته على ناقة عُشَرَاءَ, وخرجت أقفو أثره حتى إذا صرنا بوادي الأراك طار طائر من شجرة فنفرت الناقة, فرمت به بين أحجار فرضخت رأسه, فمات فدفنته هناك, وأقبلت آيِسًا وأعظمُ ما بي ما ألقاه من التعيير أني لا أُعرف إلا بالمأخوذ بعقوق والديه فقال له أبي: أبشر فقد أتاك الغوث, فصلى ركعتين ثم أمره فكشف عن شقه بيده, ودعا له مراتٍ يرددهن فعاد صحيحًا كما كان وقال له أبي: لولا أنه قد كان سبقتْ إليك من أبيك في الدعاء لك بحيث دعا عليك لما دعوتُ لك قال الحسن: وكان أبي يقول لنا: احذروا دعاء الوالدين فإن في دعائهما النماءَ والانجبارَ والاستئصال والبوارَ.
انظر كتاب: التوابين - ابن قدامة - تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط ,الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، 1403 - 1983