إني لأرجو منه نفعًا عاجلًا ... والنفس مولَعَةٌ بحب العاجل
والله أنزل في الكتاب فريضةً .. لابن السبيل وللفقير العائل
فلما مثل بين يديه قال: يا جرير اتق الله ولا تقل إلا حقًا، (وهذا تنبيه من سيدنا عمر للشاعر ألا ينافق في شعره وألا يغالي غلوًا بمدحه بما ليس فيه) فأنشأ يقول:
كم باليمامة من شعثاءَ أرملةٍ ... ... ومن يتيم ضعيفِ الصوت والنظر!
ممن بعدلك يُكفى فقدَ والده ... كالفرخ في العش لم يدرجْ ولم يطِرِ
أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت؟ ... أم قد كفاني ما بُلِّغت من خبري؟
إنا نرجو إذا ما الغيثُ أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر
إن الخلافة جاءتهُ على قدَر ... كما أتى ربَّه موسى على قدر
هذي الأرامل قد قضَّيتَ حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرملِ الذكر؟
الخير ما دمت حيًا لا يفارقنا ... بُوركت يا عمرَ الخيرات من عمرِ
فقال: والله يا جرير لقد وافيت الأمر، ولا أملك إلا ثلاثين دينارًا فعشرة أخذها عبد الله ابني، وعشرة أخذتها أم عبد الله، ثم قال لخادمه: ادفع إليه العشرة الثالثة، فقال: والله يا أمير المؤمنين إنها لأحب مال اكتسبته، ثم خرج فقال له الشعراء: ما وراءك يا جرير؟ فقال: ورائي ما يسوءكم خرجت من عند أمير يعطي الفقراء, ويمنع الشعراء، وإنني عنه لراض، ثم أنشأ يقول:
رأيت رُقى الشيطان لا تستفزه ... وقد كان شيطاني من الجن راقيا ))
المستطرف في كل فن مستظرف: بهاء الدين الأبشيهي ص: 91 ا ط: 3 دار صادر - بيروت. بتصرف , والقصة كذلك في العقد الفريد الجزء الأول باب: على عمر بن عبد العزيز