وكلما تدبر العاقل كلامهم في الأمانة وغيرها وجد فيه من التناقض والفساد ما لا يخفى إلا على أجهل العباد .. ووجد فيه من مناقضته التوراة والإنجيل وسائر كتب الله ما لا يخفى من تدبر هذا وهذا .. ووجد فيه من مناقضة صريح المعقول ما لا يخفى إلا على معاند أو جهول ..
فقولهم متناقض في نفسه، مخالف لصريح المعقول، وصحيح المنقول عن جميع الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين).
وقد احتج بعض النصارى بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171] على أقنومية الروح القدس، فيقال لهم: أن «منه» هاهنا تعني من خلقه وإيجاده، كقوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [الجاثية: 13] ، وليست «من» لبيان الجنس.
وقوله تعالى: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} ليس نصًّا في أن الروح بعض الأمر ومن جنسه .. بل قد تكون لابتداء الغاية إذ كونت بالأمر، وصدرت عنه .. وهذا معنى جواب الإمام أحمد في قوله: {وَرُوحٌ مِّنْهُ} حيث قال: {وَرُوحٌ مِّنْهُ} يقول: مِنْ أَمْرِه كان الروح منه، كقوله: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [الجاثية: 13] ، ونظير هذا أيضًا قوله: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ} [النحل: 53] .
فإذا كانت المسخرات والنعم من اللّه، ولم تكن بعض ذاته بل منه صدرت- لم يجب أن يكون معنى قوله في المسيح: {وَرُوحٌ مِّنْهُ} ؛ أنها بعض ذات اللّه.
ولأجل حسم هذه القضية وَرَدَ التأكيد على عبودية روح القدس، حيث يقول الله عز وجل: {وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ: 23] .
وتفسيرًا لهذه الآيات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم