جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن وروح القدس .. الإله الواحد، وعلِّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيكم به.
فيقال لهم: هذا عمدتكم على ما تدعونه من الأقانيم الثلاثة، وليس فيه شيء يدل على ذلك .. لا نصًّا ولا ظاهرًا ..
فإن لفظ «الابن» لم يستعمل قط في الكتب الإلهية في معنى صفة من صفات الله، ولم يُسَمِّ أحدٌ من الأنبياء «علم الله» ابنه، ولا سَمُّوا كلامه ابنه، ولكن عندكم أنهم سَمُّوا «عبده» أو «عباده» ابنه أو بنيه، وإذا كان كذلك فدعواكم أن المسيح أراد بالعلم «ابن الله وكلامه» .. دعوى في غاية الكذب على المسيح، وهو حَمْلٌ للفظه على ما لم يستعمله هو ولا غيره فيه، لا حقيقة ولا مجازا، فأيُّ كذبٍ وتحريفٍ لكلام الأنبياء أعظم من هذا .. ! [1]
ولو كان لفظ «الابن» يستعمل في صفة الله لَسُمِّيَت حياته ابنًا، وقدرته ابنًا، فتخصيص العلم بلفظ الابن دون الحياة خطأ ثانٍ .. لو كان لفظ الابن يستعمل في صفة الله، فكيف إذا لم يكن كذلك .. ؟!
وكذلك روح القدس، لم يستعملوها في حياة الله، ولا أرادوا بهذا اللفظ حياة الله التي هي صفته، وإنما أرادوا بذلك ما ينزله على الصديقين والأنبياء، ويؤيدهم به كما في قول داود: روحك القدس لا تنزع مني.
(1) مصداقًا لكلام الإمام يرحمه الله نذكر ما جاء في كتاب يوحنا (8/ 40) أن اليهود قالوا للمسيح: (لنا أب واحد وهو الله، فقال لهم يسوع: لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني .. لأني خرجت من قِبَلِ الله، وأتيت لأني لم آت من نفسي، بل ذاك أرسلني، لماذا لا تفهمون كلامي .. لأنكم لا تقدرون أن تسمعوا قولي، أنتم من أب هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا) وكذلك قال: (ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم) يوحنا (20/ 17) ، ولا ننس أن الصلاة التي يصليها النصارى تبدأ بقولهم: (أبانا الذي في السماوات .. ) ، وبالرجوع إلى مادة «أب» في قاموس الكتاب المقدس نجدهم يقولون: إنها وردت بعدة معانٍ، ثم يقولون: (وأبوة الله تسير في اتجاهين، الاتجاه الأول: أبوته للبشر بالخلق، والثاني: أبوته للمؤمنين بالنعمة) .