والشيطان إنما يضل الناس ويغويهم بما يظن أنهم يطيعونه فيه، فيخاطب النصارى بما يوافق دينهم، ويخاطب من يخاطب من ضُلَّال المسلمين بما يوافق اعتقاده، وينقله إلى ما يستجيب لهم فيه بحسب اعتقادهم؛ ولهذا يتمثل لمن يستغيث من النصارى بجرجس في صورة جرجس، أو بصورة من يستغيث به النصارى من أكابر دينهم؛ إما بعض البطاركة، وإما بعض المطارنة، وإما بعض الرهبان، ويتمثل لمن يستغيث به من ضُلال المسلمين بشيخ من الشيوخ في صورة ذلك الشيخ.
والحِسِّيَّات إن لم يكن معها عقليات تكشف حقائقها، وإلا وقع فيها غلط كبير .. !
فالملائكة تظهر في صورة البشر كما ظهرت لإبراهيم ولوط ومريم في صورة البشر، وكما كان جبريل يظهر للنبي صلى الله عليه وسلم تارة في صورة دحية الكلبي، وتارة في صورة أعرابي، ويراه كثير من الناس عيانًا، وكذلك كما ظهر إبليس للمشركين في صورة الشيخ النجدي، وظهر لهم يوم بدر في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فلما رأى الملائكة هرب، قال تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 48] .
وروي عن ابن عباس وغيره قال: (تبدَّى إبليس في جند من الشياطين ومعه راية في صورة رجال من «مدلج» ، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم، وأقبل جبريل عليه السلام على إبليس، فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع إبليس يده وولى مدبرا هو