فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 656

الجسد, فيقيني أنه لا يبدو في الإمكان أن نقدر على إقناع الكافرين بحقيقة دين من الأديان, بل ربما بفضيلة من الفضائل الأخلاقية، إن لم نثبت لهم أولًا هذين الأمرين بالعقل الطبيعي).

ثم يقرر ديكارت الدافع المباشر لكتابه فيقول: (غير أن مجمع «لتران» المنعقد برياسة البابا ليون العاشر, وما قرره من إدانة هؤلاء -يعني أعداء الكنيسة- ودعوته الفلاسفة المسيحيين دعوة صريحة إلى الرد على أقوالهم, واستعمال أقصى ما تملك عقولهم من قوة لإظهار الحق- كل هذا جرأني على محاولة ذلك في هذا الكتاب) .

تؤكد هاتان الفقرتان أن المسيحية عندما حثت الفلاسفة على الإبداع لم تكن تفعل ذلك حبًّا في العقل, بل لأنها كانت مهددة من العقل, وما اللجوء المستمر من الكنيسة إلى الفلاسفة إلا شعورًا منها بخطر هذا التهديد, فما كان هذا اللجوء إلا في حال الخطر, ولو كانت المسيحية هي دين العقل لما انقلبت المسيحية على العقل قبل أن يظهر الخطر.

ولقد كان أبرز المدافعين عن الكنيسة أربعة: «ديكارت» و «كانط» و «هيجل» و «كيركجور» ، حيث ساهم كل منهم في فلسفة الصياغة الحديثة للتحريف النصراني ..

وكان لكل واحد من هؤلاء الأربعة فكرته التي دافع بها عن الكنيسة ..

فـ «ديكارت» ضحَّى باللامعقول في المسيحية حفاظًا عليها، فأنكر المعجزات، مقابل استخدام البراهين العقلية لإثبات الإيمان بـ «الله» وخلود «النفس» ، وكان أسلوبه يقوم على التماس «اليقين الديني» من «اليقين الرياضي» ..

وأما أسلوب «كانط» فقد تمثل في الإبقاء على المسيحية كما هي، مع وضع حدود للعقل بحيث لا تصلح المسيحية كموضوع له، فزعم أن العقل موضوعه المحسوسات, وفعل العقل في المحسوسات هو وضعها في سياق الزمان والمكان, ولما كان الزمان والمكان مفاهيم «نسبية» خاصة بالإنسان فإن «الله» فوق الزمان والمكان، وبالتالي فهو ليس موضوعًا للعقل .. !

وهكذا انتقل من نسبية المعرفة الإنسانية إلى رفض الاستيعاب العقلي لقضايا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت