فهرس الكتاب

الصفحة 294 من 656

الإيمان .. ومن هنا جاء احتجاج النصارى بعدم إمكانية فهم التثليث وكافة المفارقات النصرانية .. !

وقد فَاته أنه إذا كنا لا نستطيع إدراك «كُنه» الذات الإلهية؛ لأنها فوق الزمان والمكان .. فإننا نستطيع إدراك «أفعال» الله التي تجري من خلال الزمان والمكان ..

وإذا كان الزمان والمكان مفاهيم نسبية خاصة بالإنسان .. فالإيمان أيضًا يلحق بالإنسان ويناسب طبيعته؛ لأن الإنسان هو الفاعل لفعل الإيمان ..

أما «هيجل» فقد حاول إقحام التثليث في طبيعة الوجود، فادعى أن الفكرة تتحول إلى نقيضها, ثم تعود إلى نفسها مرة أخرى غنية بهذا النقيض؛ لتنتج شيئًا ثالثًا، وبهذه الأضلاع الثلاثة لا بد أن ينتمي أي شيء في العالم إلى أحدها .. !

وهكذا كانت المسيحية بنظر هيجل هي تمثيل حسي للحركة الشاملة للعالم, ففي البداية كانت الفكرة محضة, وهي الأب, لكن الفكرة تنتقل إلى الطبيعة بوصفها نقيضها, حيث يخرج الابن من الأب, لكن الطبيعة تعود إلى الفكرة مرة أخرى في شكل الإنسان, الذي يجمع بين كونه روحًا وبين كونه جزءً من الطبيعة, وهذه العودة يمثلها روح القدس.

ولكي يهرب من مشكلة «تعدد الأشياء المستقلة» زعم أنها تمثلات ثلاثة لشيء واحد, هو الفكرة التي تكمن في كل صورة لها, وانتقال الفكرة عبر كل تمثل من تمثلاتها يتطلب انتقال الروح الكلية إلى الطبيعة, وبالعودة إلى الشكل الحسي لحركة الروح الكلية في العالم -والتي هي المسيحية- سنجد أن انتقال الروح الكلية إلى الطبيعة يعني الخضوع الجزئي للروح الكلية للطبيعة, لكن الطبيعة هي موت .. فلا بد إذًا أن يموت الإله ليشارك الطبيعة تناهيها .. !

والحقيقة أن هيجل هذا لم يزد عن إعطاء النصرانية المحرفة صورة فلسفية، في الوقت الذي لم يناقش النصرانية بفلسفة مسبقة؛ ولذلك لا نجد لفكرته ومصطلحاته أي معنى قائم بها، وإلا فما هي الفكرة المحضة التي يشير إليها كأساس لكلامه .. ؟! وما تفسيره لعودة الطبيعة إلى الفكرة .. ؟!

وأما «كيركجور» فقد رفض تصور هيجل عن الإنسان باعتبار أن الإنسان لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت