ومن أمثلة هذا الوجه قول بولس: (عظيمٌ هو سر التقوى، الله ظهر في الجسد) [تيموثاوس1: 3/ 16] فالفقرة محرَّفة، إذ ليس في الأصل كلمة «الله» ، بل ضمير الغائب «هو» ، والعبارة الأصلية: (عظيم هو سر التقوى، هو ظهر في الجسد) ، والمقصود منه ظهور خُلُق التقوى في شخص المسيح، فأحالته الترجمات الحديثة إلى دليل على التجسد الإلهي بالمسيح، فقالوا: (الله ظهر في الجسد) ، وفي النسخة الكاثوليكية تم تصحيح النص وإزالة التحريف فترجموها هكذا: (عظيم سر التقوى الذي تجلى في الجسد) ، وتغير المعنى، واختفت الدلالة على ألوهية المسيح من النص. وسبب هذا التحريف أن التعريف بالله كان في التوراة بلفظ: «هو» فكانوا ينادون «يا هو» ، فأصبحت «الله» باعتبارهما عندهم بمعنى واحد، هذا من الناحية اللفظية، أما من ناحية المعنى: فما هي العلاقة بين ظهور الله في الجسد ومعنى التقوى تحديدًا .. ؟!
وكذلك عندما قال المسيح للرجل المُقعَد: (قم، غفرت لك) .. أخذوا ذلك دليلًا على أن المسيح يغفر الذنوب، وكان هذا أحد مستنداتهم في ادعاء ألوهيته عليه السلام .. بينما تعني كلمة (غفرت لك) : دعوت لك بالمغفرة؛ لأن المغفرة تأتي بمعنى الاستغفار، والدليل اللغوي على أن المغفرة تأتي بمعنى الاستغفار حديث عمرو بن دينار الذي ذكره ابن منظور في لسان العرب: (قلت لعروة: كم لبث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة؟ قال عشرًا، قلت: فابن عباس يقول بضع عشرة؟ قال: فغفره(أي قال: غفر الله له) ، ويثبت ابن منظور نفس القاعدة بمثال آخر في مادة: «شفي» .. فيقول: (أشفيتك: أعطيتك ما تُشفَى به، وشفاه وأشفاه: طلب له الشفاء) ، فأطلق لفظ الشفاء على طلب الشفاء، تمامًا مثل إطلاق المغفرة على طلب المغفرة.
ولذلك جاء في التوراة التي معهم قول الله لموسى: (اخرج أنت وشعبك الذي أخرجت من مصر، وأنا أجعل معكم ملكًا يغفر ذنوبكم) ، وتفسيره: (أجعل معكم ملكًا يدعو لكم بمغفرة ذنوبكم) وبذلك يكون تفسير (غفرت لك ذنوبك) هو: دعوت الله أن يغفر لك ذنوبك، ويكون تفسير (ملكًا يغفر ذنوبكم) : هو ملكًا يدعو لكم بمغفرة ذنوبكم ..
ومن ذلك: أن الإنجيل الذي بين يدي الناس يذكر أن التلاميذ سيتكلمون باثنين وسبعين لسانًا، ويفسرون ذلك بأن التلاميذ سيتكلمون باثنين وسبعين لغة، وهذا ما لم يحدث، وما لا يستطيعون إثباته، والتفسير الصحيح لهذه العبارة: هو أنهم سيختلفون اختلافًا كبيرًا، فيكون معنى اللسان هو القول المخالف، ودليل ذلك هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( واختلفت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ... ) ).
الثالثة: تحريف ناشئ عن الخلط بين أساليب اللغة
ومن أخطر عوامل التحريف الخلط بين أساليب اللغة .. فاعتبار اللفظة حقيقية أو مجازية ليس له أي ضابط عندهم، وإذا وُوْجِهوا بنصٍّ صريح يقول فيه المسيح أنه