النوع الأول: «أهل الجهل والظلم» الذين جمعوا بين الجهل بما جاء به، والظلم باتباع أهوائهم، الذين قال الله تعالى فيهم: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} [النجم: 23] .. الذين يحسبون أنهم على علم وهدى وهم أهل الجهل والضلال، فهؤلاء هم أهل الجهل المركب الذين يجهلون الحق، ويعادونه ويعادون أهله، وينصرون الباطل ويوالون أهله، وهم يحسبون أنهم على شيء، ألا أنهم هم الكاذبون، فهم لاعتقادهم الشيء على خلاف ما هو عليه بمنزلة رائي السراب، الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، وهكذا هؤلاء .. أعمالهم وعلومهم بمنزلة السراب الذي يخون صاحبه أحوج ما هو إليه، ولم يقتصر على مجرد الخيبة والحرمان كما هو حال من أمَّ السراب فلم يجده ماء، بل انضاف إلى ذلك أنه وجد عنده أحكم الحاكمين وأعدل العادلين سبحانه وتعالى، فحسَبَ له ما عنده من العلم والعمل، فوفَّاه إياه بمثاقيل الذر، وقدِم إلى ما عمل من عمل يرجو نفعه فجعله هباءً منثورًا، إذ لم يكن خالصًا لوجهه ولا على سنة رسول الله، وصارت تلك الشبهات الباطلة التي كان يظنها علومًا نافعة كذلك هباءً منثورًا، فصارت أعماله وعلومه حسرات عليه.
و «السراب» ما يرى في الفلاة المنبسطة من ضوء الشمس وقت الظهيرة يسرب على وجه الأرض، كأنه ماء يجري، و «القيعة» القاع: هو المنبسط من الأرض الذي لا جبل فيه، ولا فيه واد.
فشبه علوم من لم يأخذ علومه وأعماله من الوحي بسراب يراه المسافر في شدة الحر فيؤُمَّه فيخيب ظنه ويجده نارًا تلظى، فهكذا علوم أهل الباطل وأعمالهم، إذا حُشر الناس واشتد بهم العطش بدت لهم كالسراب، فيحسبونه ماء، فإذا أتوه وجدوا الله