فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
من السماء أنه أراد أن يخلصكم ويحتمل الخطيئة، ويربط الشيطان، فقد وجدنا الخلاص لم يقع، والخطيئة قائمة لم تزل، والشيطان أعتى ما كان يربط، بل سلطه الله عليه على ما تقولون، فحصره في الجبل أربعين يومًا يمتحنه، وقال له في بعض أحواله معه: إن كنت ابن الله فقل لهذه الصخور تصير خبزًا، فقال له المسيح مجيبًا له: إنه مكتوب أن حياة الإنسان لا تكون بالخبز .. بل بكل كلمة تخرج من الله، ثم ساقه الشيطان إلى مدينة بيت المقدس وأقامه على قرنة الهيكل، وقال له: إن كنت ابن الله فارمِ بنفسك من هاهنا، فإنه مكتوبٌ: إن الملائكة تُوَكَّل بك لئلا تعثر رجلك بالحجر، قال يسوع: ومكتوب أيضًا لا تُجَرِّب الرب إلهك، ثم ساقه إلى جبل عالٍ وأراه جميع مملكات الدنيا وزخارفها وقال له: إن خررت على وجهك ساجدًا لي جعلت هذا الذي ترى كله لك، قال له المسيح: اغرب أيها الشيطان، فإنه مكتوب اسجد للرب إلهك ولا تعبد شيئًا سواه، ثم بعث الله عز وجل ملكًا اقتلع العدو من مكانه ورمى به في البحر وأطلق السبيل للمسيح).
قال:(أفلا يعلم من كان في عقله أدنى مسكة أن هذا الفعل لا يكون من شيطان إلى إله، ولو كان إلهًا لأزاله عن نفسه قبل أن يأتيه المَلَك من عند ربه، ولما قال: أُمِرنا أن لا نجرب الله، وأن نسجد للرب ولا نعبد شيئًا سواه، وكيف لم يربط الشيطان عن نفسه قبل أن يربط عن أمته ..
فهذه أمور إذا تأملها المتأمل قبُحت جدًّا وكثر اختلافها واشتد تناقضها واضطرابها)..
قال: (ومما يعجب منه أنكم تعتقدون أن الابن الأزلي اتحد بالمسيح فصارا بجهة واحدة، ولم يفارقه قط منذ اتحد به، ومكث على ذلك في بطن أمه تسعة أشهر، ثم أقام مولودًا وتغذى باللبن، ومربوبًا صبيًّا مغذى بالأغذية، إلى أن بلغ ثلاثين سنة لا يظهر منه شيء من آلة الربوبية، ولا أمر يوجب هذا المحل، ولا كان بينه وبين نظرائه من الآدميين فرق، ولا سطع منه نور، ولا ظهرت له سكينة، ولا حفته الملائكة بالتهليل، ولا ألمَّ به الشعث بعد ذلك فوق ما كان من الأنبياء قبله، فقد كلم الله موسى من العوسجة كيف شاء فأشرق ما حولها نورًا، وكلمه من طور سيناء فاضطربت في