ومن الفرقان في النفس إلى الفرقان في الكون {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا*ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا} [الفرقان: 45، 46] ..
فالإنسان ينظر إلى الظل بعينه وهو أمامه ممدود في الأرض، ثم لا يعلم أين يتجه هذا الظل؛ لأنه يسير سيرًا ضئيلًا يكاد يكون ساكنًا ولكنه ليس ساكنًا .. ولو شاء الله لجعله ساكنًا، ولذلك لا تعرف اتجاه الظل إلا إذا نظرت إلى الشمس، فمن موضع الشمس بالنسبة للظل تعلم اتجاه الظل.
وإذا علمنا أن الشمس دليل على الظل تعلمنا الرجوع في هدايتنا كلها إلى فرقان القرآن؛ ولذلك تأتي الآيات بالشواهد الدالة على الحق ..
ومن ظاهرة مد الظل .. إلى ظاهرة مرج البحرين {وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا} [الفرقان: 53] .
وظاهرة مَرْجِ البحرين تناقش الفرقان بين صفات الأشياء ذات الطبيعة الواحدة، فمع أن الماء واحدٌ .. إلا أن العذب الفرات لا يتداخل في الملح الأجاج.
ثم ينتقل السياق من أكبر الظواهر الكونية الدالة على الفرقان «الشمس والبحار» .. إلى أدقِّها ..
{وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا} [الفرقان: 54] .
وفي الوقت الذي يحسم فيه القرآن أمر التداخل بين صفات الطبيعة الواحدة يشتد الاختلاف بين النصارى في تداخل الطبيعتين في الأقانيم المزعومة بين الخالق والمخلوق .. !