فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 319

في الدنيا. قلت: وذلك لأن سبب الكفر بالله تعالي عصيان ماجاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام حسد أو كبرا، وكلاهما من حب الدنيا، والله أعلم. وقد كان عيسى عليه الصلاة والسلام يقول للحورايين بحق أقول لكم إن حب الدنيا رأس كل خطيئة. وكان مالك بن دينار - رحمه الله تعالى - يقول: اتقوا السحارة التي تسحر قلوب العلماء وتلهيهم عن الله تعالى، - يعني الدنيا - وهي أسحر وأقبح من سحر هاروت وماروت، لأن ذاك يفرق بين المرء وزوجه، وهذا يفرق بين العبد وربه. وكان الحسن البصري - رحمه الله تعالى - بقول: لقد أدركنا الناس وهم يرون الدنيا عندهم كوديعة يؤدونها إلى صاحبها ليس لهم فيها ملك، ولذلك ذهبوا إلى الآخرة خفائا.

وكان أبو سليمان الداراني - رحمه الله - يقول: كل الخبز الحاف وأنت خائف من الدنيا، وإياك أن تعد نفسك بعد ذلك أنك من الزاهدين فإن صغير الدنيا يجر إلى كبيرها من حيث لا يشعر العبد. وكان سفيان بن عيينة - رحمه الله تعالى - يقول: إنما أكثر القوم من ذكر الله تعالى لتبعد عنهم الدنيا، فإنهم إذا ذكروا الله بعدت، وإذا تفرقوا عن الذكر أخذت بأعناقهم فاعلم ذلك، والحمد لله رب العالمين.

ومن أخلاقهم - رضى الله تعالى عنهم-: أستحياؤهم من كثرة ترددهم إلى الخلاء، وذلك بدوام الجوع المشروع مع الجدة اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يشد الحجر على بطنه الشريف من الجوع، قالت عائشة. رضي الله عنها. ولو شاء - صلى الله عليه وسلم - لأكل، ولكنه كان يؤثر على نفسه. قلت: قد كان له - صلى الله عليه وسلم - مقام آخر أكمل من هذا، وهو أنه كان يبدا بنفسه ولا يجوع إلا اضطرارا، لأن الكامل من شأنه أن يوفي طبيعته حقها لأنه مسئول عنها، فما جاع - صلى الله عليه وسلم - اختيارا، وآثر على نفسه إلا ليقتدي به في ذلك فافهم.

وكان عبد الرحمن بن أبي نعيم - رحمه الله تعالى - لا يأكل إلا كل خمسة عشر يوما أكلة، فبلغ ذلك الحجاج بن يوسف، فدعاه ثم أمر به

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت