يحيى الليل كله في سجدة واحدة، فكان لا يرفع رأسه حتى يحس بعظمه قد ذاب من شدة البكاء بين يدي ربه عز وجل.
قال: ولما تاب عتبة الغلام - رحمه الله تعالى - كان لا يهنأ بأكل ولا شرب ولا نوم حتى مات. قال: ولما حج مسروق - رحمه الله تعالى - كان لا يضع جنبه إلى الأرض أبدا، وإنما كان يغفل وهو جالس في بعض أوقات. وكان مجاهد - رحمه الله - يقول لعباد أهل زمانه: أنتم لستم عبادًا، ولكنكم متلذذون بالعبادة، ولقد أدركنا أقوامًا كانوا إذا بلغ أحدهم أربعين سنة طوى فراش النوم حتى يموت - رضي الله عنهم - وكان كهمس بن الحسن - رحمه الله تعالى - يصلي كل يوم ألف ركعة، فما يفرغ منها حتى يصير يزحف من الضعف ثم يقول لنفسه بعد ذلك: قومي لهذه العبادة الأخرى يا مأوى كل شر، فلما ضعف آخر عمره كان يصلي كل يوم خمسمائة ركعة، ثم يبکي ويقول: يا ويلي من ربي عز وجل، وقد نقصت نصف عبادتي. وقد كان أويس القرني - رحمه الله تعالي - إذا غلبه النوم انتبه فزعًا مرعوبًا، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من عين نوامة، ونفس لوامة، وبطن لا تشبع، وكان ابن الجويرية - رحمه الله تعالى - يقول: صحبت أقواما كابدوا الليل، فما رأيت أحسن مكابدة من أبي حنيفة - رضي الله عنه- أقمت عنده ستة أشهر فما رأيته وضع جنبه إلى الأرض ليلة من الليالي. وكان ابن مقاتل - رحمه الله - يقول: صلي أبو حنيفة - رضي الله عنه- الصبح بوضوء العشاء عشرين سنة، وفي رواية أربعين سنة، وفي رواية سبعًا وأربعين سنة، وفي رواية خمسين سنة، ولعل كل واحد أخبر عنه بما في زمنه.
وكان يوسف بن خالد - رحمه الله تعالى - يقول: كان أبو حنيفة -رضي الله عنه- يحيى نصف الليل فقط فمر يوما على قوم فسمعهم يقولون: هذا يحيى الليل كله وأشاروا إليه. فقال: أراني أوصف بما لا أفعل، ثم قام الليل كله من ذلك الوقت حتى مات، وكان أبو مطيع - رحمه الله تعالى - يقول: لم يكن لأبي حنيفة - رضي الله عنه- فراش في الليل إنما كان يغفل وهو جالس غفلة يسيرة. وكان سفيان بن عيينة - رحمه الله تعالى - يقول: ما رأيت أورع من