وكان الفضيل بن عياض - رحمه الله تعالى - يقول: فاكهة القراء في هذا الزمان الغيبة، وتنقيص بعضهم بعضا خوفا أن يعلو شأن أقرانهم ويشتهروا بالعلم والزهد والورع دونهم، وبعضهم يجعل الغيبة كالأدم في الطعام، وهو أخفهم إثما. وكان إبراهيم بن أدهم - رحمه الله تعالى - من أشد الناس زجرا للمغتابين، وقد دعاه رجل مرة إلى طعامه فلما ذهب إليه وجده يذكر رجلا بسوء، فقال له إبراهيم: عهدنا بالناس يأكلون الخبز قبل اللحم وأنتم تأكلون اللحم قبل الخبز، ثم خرج ولم يأكل له طعاما، وكان وهيب بن الورد - رحمه الله تعالى - يقول: والله لترك الغيبة عندي أحب إلى من التصدق بجبل من ذهب. وكان وكيع بن الجراح - رحمه الله - يقول: من عزة السلامة من الغيبة أنه لم يسلم منها إلا القليل. وكان سفيان الثوري - رحمه الله تعالى - يقول: اذكر أخاك إذا تواريت عنه بمثل ما تحب أن يذكرك به إذا توارى عنك، وكان مالك بن دينار - رحمه الله تعالى - يقول: كفى بالمرء إثما أن لا يكون صالحا ثم يجلس في المجالس، ويقع في عرض الصالحين
وقد سئل الزهري - رحمه الله تعالى - عن حد الغيبة فقال: كل ما كرهت أن تواجه به أخاك فهو غيبة، وقد نام شقيق البلخي - رحمه الله تعالي - ليلة عن ورده فعتبته امرأته، فقال: لا تعتبيني بأن نمت عن وردي هذه الليلة فإن غالب علماء بلخ وزهادها يصلون لي ويصومون ويفعلون، فقالت له: وكيف ذلك؟ قال: يبيت أحدهم يصلي طول الليل، ويصبح صائما طول النهار، ثم ينال من عرض شقيق ويأكل لحمه فتكون حسناتهم كلها في ميزانه، وكان أبو أمامة -رضي الله عنه- يقول: إن العبد ليعطي كتابه يعني يوم القيامة فيرى فيه حسنات لم يعملها فيقول: يا رب أنى لي بهذا؟ فيقال له: هذا ما اغتابك الناس وأنت لا تشعر. وكان عبد الله بن المبارك - رحمه الله تعالى - يقول: لو كنت مغتابا أحدا لأغتبت والدي لأنهما أحق بحسناتي من غيرهما. وكان محمد بن علي الترمذي - رحمه الله تعالى - يقول: من وقع في عرض أحد فكأنه قدمه بحسناته على نفسه وأحبه أكثر من نفسه. قلت: فلا ينبغي له التكدير بل يحبه لما حصل له من الثواب، وإن لم يقصد