هو ذلك، فعلم أن من تكدر ممن أهدى إليه حسناته فهو أحق إلا إن كان تكدره لغرض شرعي. وكان سعيد بن جبير - رحمه الله تعالى - يقول: إن العبد ليعمل الحسنات الكثيرة فلا يراها في صحائفه فيقول: يا رب أين حسناتي؟ فيقال له: ذهبت باغتيابك الناس وهم لا يعلمون، وكان منصور بن المعتمر - رحمه الله تعالى - يقول: لا تنالوا السلطان إذا ظلم بل أكثروا له الاستغفار، فإنه ما ظلمكم إلا بذنوبكم، وقد سئل الزهري أي قيل له: أنقع في عرض من يسب أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما-؟ قال: نعم. وكان محمد بن سيرين - رحمه الله تعالى - يقول: من الغيبة المحرمة التي لا يشعر بها أكثر الناس قولهم: إن فلانا أعلم من فلان، فإن المفضول يتكدر من ذلك، ومن المعلوم أن حد الغيبة أن يذكر الشخص أخاه بما يكره. وقيل: إن طبيبين يهوديين دخلا على سفيان الثوري مرة فلما خرجا قال: لولا أخشى أن تكون غيبة لقلت: إن أحدهما أطب من الآخر.
وكان أخي الشيخ أفضل الدين - رحمه الله تعالى - إذا سئل عن مقام أحد من العلماء يقول: سلوا غيري عن ذلك، فإني ألحظ الناس بعين الكمال والصلاح، وليس عندي کشف أعلم به مقامهم عند الله تعالى، والظن أكذب الحديث. وكان عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- إذا مر على قوم يغتابون أحدا يقول: قوموا فتوضؤوا، فإن بعض ما تتكلمون به ربما كان أشد من الحدث. وقد كان أبو تراب النخشبي - رحمه الله تعالى - يقول: الغيبة فاكهة القراء، ومزابل الأتقياء، وكان ميمون بن يسار - رحمه الله - يقول: اغتيب رجل مرة في مجلسي وأنا ساکت، فقدم إلي في تلك الليلة جيفة منتنة وقيل لي: كل هذا، فقلت: معاذ الله كيف ذلك؟ فقيل: هذا بما اغتيب عندك وأنت ساكت. وقد كان خالد الربعي - رحمه الله تعالى - يقول: تناول الناس رجلا يوما في المسجد فأعنتهم عليه، فلما نمت تلك الليلة قدم إلى قطعة لحم خنزير، وقيل لي: كل. فقلت: معاذ الله أن آكله، فأدخلوها في فمي کرها علي، فاستيقظت وأنا أجد طعم ذلك في فمي، ومكثت رائحته في فمي أربعين صباحا والناس تشمه مني.