فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 319

وكان يحيى بن معاذ - رحمه الله تعالى - يقول: عجبت ممن يبقى معه مال وهو يسمع قوله سبحانه وتعالى: (إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم) [التغابن: ?] ، قلت: ومتى كان سبب توقف العبد في الإنفاق في وجوه الخير التي أمر الله تعالى بها مع عدم تصديقه بما وعده الله به من الأجر، وتضعيف الثواب، فلا ينفعه عمل ولو صار من أمثال الجبال، لأنه بناه على غير أساس إذ من كمال المؤمن الكامل أن لا يتخلف عن مأمور. وتأمل يا أخي لوجلس إنسان وبين يديه زنبيل ملآن ذهبا، وقال: كل من أعطى فقيرا درهما أعطيته دينارا كيف يبادر الناس ويسارعون إلى بذل الدراهم للفقراء بخلاف ما لو وعدهم بالدينار بعد سنة مثلا، فإنه لا يجيبه إلا القليل منهم، وذلك لضعف تصديقهم له، ولو أن إيمانهم كان كاملا لأجابوه كلهم، إذ من شرط كمال الإيمان أن يكون ما وعده به الشارع غيبا کالحاضر عنده على حد سواء، ومن هنا تقدم من تقدم، وتأخر من تأخر. والله أعلم، وقد سئل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن العاقل من هو؟ فقال: من يكنز ماله في مكان لا يأكله السوس، ولا تصل إليه اللصوص - يعني في السماء. وقد كان كسرى يقول: أنت للمال ما أمسكته، فإذا أنفقته كان لك. قال: ودخل شخص البصرة، فقال: من سيد هذا المصر فقيل له الحسن البصري، قال: وبم سادهم؟ قالوا: لأنه استغني عما بأيديهم من الدنيا، > واحتاجوا لما عنده من العلم والدين، فقال الرجل: بخ بخ هذا سيدهم بلا شك. وقد أوحى الله إلى موسي - صلى الله عليه وسلم - إني لأشكو إليك من عبادي من أربعة أشياء أستقرضتهم مما أعطيتهم فبخلوا، وحذرتهم من إبليس فلم يحذروا، ودعوتهم إلى الجنة فلم يجيبوا، وخوفتهم من النار فلم يخافوا واجتهدوا في أعمالها، وقد جاءت امرأة يوما إلى الإمام الليث بن سعد رضي الله عنه بإناء صغير تطلب منه فيه عسلا وقالت: إن زوجي مريض، قال: فأمر لها الإمام براوية ملآنة عسلا، فقيل له: إنها طلبت قدحا صغيرا، فقال: إنما طلبت على قدرها، ونحن أعطيناها على قدرنا. وكان الحسن البصري - رحمه الله تعالى - يقول: عجبا لك يا بن آدم تنفق في شهواتك إسرافا وبدارا، وتبخل في مرضاة ربك بدرهم ستعلم يالكع مقامك عنده

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت