الناس وهم يحسنون إلى أعدائهم، ونراهم اليوم لا يحسنون ولا لأصدقائهم، وكان الأعمش - رحمه الله تعالى - يقول: لقد أدركنا الناس وأحدهم يمكث الأيام المتوالية لا يلقى أخاه، ثم إذا تلاقيا لا يزيد أحدهم الآخر على قوله: كيف أنت، كيف حالك، ولو أنه ساله شطر ماله لأعطاه إياه، ثم صار الناس اليوم لو لقى أحدهم أخاه كل يوم أو كل ساعة يقول: له: كيف حالك، كيف أنت، ويسأله عن كل شيء حتى عن الدجاجة في البيت، ولو أنه سأله درهما لم يعطه إياه، وقد قال شخص مرة لبشر الحافي - رحمه الله تعالى: إني أحبك في الله، فقال له: ليس ما تقوله حقا، وربما كان حمارك أهم عندك مني في تذكره عند العشاء، فكيف تدعى محبتي.
وقال شخص لبشر بن صالح: إني أحبك في الله فقال له: ما حملك على الكذب؟ قال: كيف؟ قال: تدعي أنك تحبني، وبرذعة حمارك أكثر قيمة من عمامتي وثيابي، وقد سئل سفيان بن عيينة - رحمه الله - عن الأخوة في الله تعالي فقال: هي أن تخرج عن جميع مالك كما خرج الصديق رضي الله عنه عن ماله كله لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقد سئل بشر الحافي - رحمه الله تعالي - عن الرجل يحب الرجل، ولكنه ربما يمنعه بعض منافع الدنيا أهو صادق في محبته؟ قال: نعم، ولكنه مقصر عن درجة الكمال. وكان إبراهيم بن أدهم - رحمه الله - يقول: من علامة صدق المتحابين في الله عز وجل أن يبادر كل أحد منهم إلى مصالحة صاحبه إذا أغضبه، فإنا لم نجد قط أحدا محبوبا إلى إخوانه وهو لا يواسيهم كما أنا لم نجد قط غضوبا مسرورا، ولا حريصا غنيا.
وقد قيل لعبد الله بن عمر رضي الله عنه: ما بال أحدنا ينظر إلى ما خرج منه في الخلاء، فلا يكاد يغض طرفه عنه. فقال: لأن الملك يقول له: انظر إلى ما بخلت به على إخوانك إلى ماذا صار، وكان مالك بن دينار - رحمه الله تعالى - يقول: قد صارت أخوة الناس في هذا الزمان کمرقة الطباخ طيبة الريح، ولا طعم لها، وكان الفضيل بن عياض - رحمه الله تعالى - يقول: