فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 319

ومايصنع بنفسه، فلمناه على ذلك، فقال: وما هذا الأمر بالنسبة لما نلاقيه يوم القيامة مما نحن عنه غافلون، فقال له بعضنا: نريد نسألك عن أمر، فهل أنت مخبرنا عنه؟ فقال: سلوا ولا تكثروا، فإن الوقت لن يعود، والعمر لن يرجع، والطلب حثيث، فعجبنا من كلامه، ثم قلنا له: ماذا حكم الخلق غدا عند ربهم فقال: يكونون على قدر نياتهم، فقلنا له: أوصنا، فقال: تزودوا على قدر سفركم، ثم أدخل رأسه في صومعته وتركنا. وكان عبد الواحد بن زيد - رحمه الله تعالى - يقول: مررت يوما براهب من رهبان الصين، فقلت له: ياراهب فلم يجبني، فقلت له: لم لا تجيبني؟ فقال: خفت أن أقول نعم فأكذب لأن الراهب هو من رهب من الله في سمائه، وعظمه في كبريائه، وصبر على بلائه، ورضي بقضائه، وحمده على نعمائه، وتواضع لعظمته، وذل لعزته، واستسلم لقدرته، وخضع لهابته، وتفكر في حسابه وعقابه، وظل نهاره صائما، وليله قائما قد أسهره ذكر النار. ومساءلة الجبار فهذا هو الراهب، وأما أنا فكلب عقور حبست نفسي في هذه الصومعة لئلا أعقر الناس. قال: فتعجبت من كلامه، ثم قلت له: أخبرني ما الذي قطع الناس عن ربهم بعد أن عرفوه، فقال: قطعهم عنه حب الدنيا لأنها محل المعاصي، فالعاقل من رمي بها عن قلبه، وتاب إلى الله من ذنبه وأقبل على ما يقربه من حضرة ربه.

قال: وقيل لداود الطائي يوما: ألا تسرح لحيتك، فإنها قد تلبدت. فقال: إني إذا لفارغ. وكان أويس القرني - رحمه الله تعالى - يحيى الليل كله بسجدة واحدة. ولما تاب عنبة الغلام - رحمه الله تعالى - كان لا يتفرغ للأكل ولا شرب، فقالت له أمه: لو رفقت بنفسك يا ولدي، فقال: دعيني يا أماه أتعب في عمر قصير ليوم طويل. ولا حج مسروق - رحمه الله تعالى - كان لم ينم قط في الطريق إلا ساجدا على وجهه. وكان عبد الله بن هلال - رحمه الله تعالى - يقول: أرجو من الله تعالى - أن لا يشهد على ليل بنوم، ولا نهار بفطر. وكان عبد الله بن داود - رحمه الله تعالى - يقول: لقد أدركنا الناس وأحدهم إذا دخل على الليل يصلي منه جانبا، فإذا بلغ الأربعين طوي فراش النوم إلى أن يموت، وكان كهمس بن الحسين - رحمه الله تعالي -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت