في ذلك كبير أمر، وكان الفضيل بن عياض - رحمه الله تعالى - يقول: كان الصحابة -رضي الله تعالى عنهم - يصبحون شعثا غبرا قد باتوا سجدا وقياما يراوحون بين أقدامهم وجباههم وكانوا إذا ذكر الله عز وجل يميدون كما تميد الشجرة في يوم الريح، وتهمل أعينهم حتى تبتل ثيابهم وتصير دموعهم كآثار ماء الوضوء، فإذا كان وقت السحر يدهنون وجوههم، ويكتحلون كأنهم باتوا نائمين غافلين
وكان أبو مسلم الخولاني - رحمه الله تعالي قد وضع في مكان تهجده سوطا، فكان كلما أخذته فترة ضرب نفسه بالسوط، ويقول لها: قومى لعبادة ربك والله لأزحفن بك زحفا حتى يكون الكلال منك لا مني، وإنك أولى بالضرب من الدابة لموضع عقلك، وكثرة دعاويك، وقد تعبد ضيغم العابد - رحمه الله تعالى - قائما حتى أقعد، وتعبد قاعدا حتى استلقي وتعبد مستلقيا حتى مات - رحمه الله - وكان أبو حازم - رحمه الله تعالي - يقول: لقد أدركنا قوما كانوا في العبادة على حد لا يقبل الزيادة. قال: وتعقد ساقا صفوان بن سليم - رحمه الله تعالى من طول القيام حتى لو قيل له: إن الساعة تقوم غذا ما وجد زيادة على ما هو فيه. وكان إذا جاء الشتاء يتهجد فوق السطح حتى مات وهو ساجد لله وكان القاسم بن محمد - رحمه الله تعالى - يقول: رأيت أم المؤمنين عائشة. تصلي الضحى، وهي تردد قوله تعالى: فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم [الطور: )، إلى قرب الزوال وهي تبكي. وكان أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - يقول: علامة الصالحين صفرة الألوان من طول السهر، وعمش العيون من طول البكاء، وذبول الشفاء من كثرة الصوم، وقد كان الحسن البصري - رحمه الله تعالى - يقول: لمجتهدي زمانه في العبادة: والله إن اجتهادكم كاللعب بالنظر لمن كان قبلكم، وكان عتبة الغلام - رحمه الله تعالى - يقطع الليل بثلاث صيحات، فكان يضع رأسه في طوقه يتفكر، فإذا مضى كل ثلث من الليل يصيح صيحة، فقالوا لجعفر بن محمد الصادق - على ذلك، فقال: لا تنظروا إلى صياحه، ولكن انظروا ماصاح منه. وقد كانت حبيبة العدوية - رحمها الله تعالى - إذا صلت العتمة قامت على سطح لها، وشدت عليها درعها