ماتفرغت لهذا القول قل: واقلة حزناه، فإنه إلى الصدق أقرب، وقد كانت عفيرة العايدة - رحمها الله تعالى - لا تمل من البكاء فقيل لها: أما تسأمين من كثرة البكاء؟ فقالت: كيف يسأم إنسان من دوائه وشفائه. وقد كانت أم العلاء السعدية - رحمها الله تعالى - تبكي وتصلي طول ليلها، وتقول: ذنوب كثيرة، فلم تزل تبكي حتى ذهب بصرها، وقد بكت بردة العابدة - رحمها الله تعالي - حتى ذهب بصرها، فلاموها على ذلك. فقالت: لو رأيتم بناء العصاة يوم القيامة لقلتم إن هذا البكاء كاللعب. وقد مكثت ابنة محمد بن سيرين - رحمهما الله تعالي - عشرين سنة في مصلاها لا تقوم إلا للوضوء والصلاة فقط. وقد كانت معاذة العدوية - رحمها الله تعالى - تصلي في الليل الطويل، فكانت تكل الرجال وهي لا تكل. وقد كانت رابعة العدوية - رحمها الله تعالى - لا تهدأ ولا تنام ولا تفطر حتى ماتت، قال الداراني رحمه الله: صليت معها ليلة، فلما كان الصباح قلت لها: يا رابعة ما جزاء من قوانا على قيام هذه الليلة؟ قالت: أن نصوم له النهار، ونقوم له الليل حتى نموت. وقد كانت رملة العابدة - رحمها الله - تكثر الصوم حتى اسود جلدها، وبكت حتى عميت، وصلت حتى أقعدت، قال إبراهيم الخواص - رحمه الله - صليت معها ليلة، فلما كان السحر سمعتها تقول: يا ليتني لم أخلق، ثم تبکي. وكان صالح المري - رحمه الله تعالي - يقول: قرأت مرة قوله تعالى: يوم تقلب وجوههم في النار [الأحزاب: 66] ، فسمعها عابد، فصعق، ثم أفاق فقال: أعدها على، فأعدتها عليه فخر ميتا. وقد وعظ عبد الواحد بن زيد - رحمه الله - الناس مرة، فصاح رجل من ناحية المسجد: كف عن كلامك يا واعظ فقد كشفت قناع قلبي، فلم يقف عبد الواحد، فصرخ الرجل ثم خرجت روحه. قال ابن القاسم: وأنا ممن شهد جنازته - رحمه الله تعالي -.
وقد قرأ زرارة بن أبي أوفي له قوله تعالى: فإذا نقر في الناقور. فذلك يومئذ يوم عسير [الاثر: ?)، وكان في الصلاة فخر ميتا،
وكان عمرو بن أدهم - رحمه الله تعالى - يعصب عينيه إذا خرج إلى السوق لا يرى كافرا ولا غافلا عن الله تعالى وكان له غلام يقوده، فقال لغلامه