فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 319

وكان كعب الأحبار يقول: لما أحيا عيسي بن مريم سام بن نوح قال له عيسي: مذ كم أنت ميت؟ قال: منذ أربعة آلاف سنة. قال: كيف وجدت الموت؟ قال: إلى الآن لم تذهب عني سكرته ولا حرارته. وقيل لرابعة العدوية: أتحبين الموت؟ فقالت: لو عصيت آدميًّا ما أحببت لقاءه خجلًا منه، فكيف وقد عصيت ربي عز وجل.

وسمع يحيى بن معاذ نائحة في دار رجل من الأغنياء فقال: ويح المغترين في الدنيا إلى متى يسمعون صيحة الآخرة في دورهم فلا ينتهون. وكان حامد اللفاف يقول: من أكثر ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة النفس، والنشاط في العبادة، وقال وهب بن منبه: لما مات موسى عليه الصلاة والسلام جاءت الملائكة في السموات بعضهم إلى بعض واضعي أيديهم على خدودهم وهم يقولون: مات موسي کليم الله فأي الخلق لا يموت. وكان - رضي الله عنه - يقول: لا يموت عبد حتى يرى الملكين الكاتبين، فإن كان صحبهما بخير قالا له: جزاك الله من صاحب خير، فنعم الصاحب کنت، فكم أحضرتنا معك في مجالس الخير، وكم شممنا منك الروائح الطيبة حال طاعتك الخالصة، وإن كان قد صحبهما بسوء قالا له: لا جزاك الله عنا من صاحب خيرًا، فكم أحضرتنا معك حال معاصيك، وكم شممنا منك رائحة النتن. وكان - رضي الله عنه - يقول: لا يقدر على رضا الله إلا من يعلم أن الله تعالي يراه على الدوام.

قلت: قد ذكر المحققون أن مراقبة الله تعالى مع الأنفاس ليست من مقدور البشر، فليتأمل ماهنا. وكان سفيان الثوري يقول: ما استعد للموت من ظن أنه يعيش غدا، وكان يقول: الطاعات تتفرع عن ذكر الموت والمعاصي تتفرع من نسيانه.

فاعلم يا أخي ذلك، وعليك بالوحدة، ومجالسة العباد والزهاد والعلماء العاملين، وإياك ومجالسة الغافلين والراغبين، فإن مخالطتهم ظلمة على القلب، وحجاب عن شهود أهوال يوم القيامة، والحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت