فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 319

وكان -رضي الله عنه- أيام خلافته لا ينام ليلا ونهارا، وإنما هي خفقات برأسه وهو جالس. وكان يقول: إذا نمت في الليل ضيعت نفسي، وإن نمت في النهار ضيعت رعيتي وأنا مسئول عنهم.

وكان عبد الله بن مسعود يقوم للتهجد إذا هدأت العيون، فيسمع له دوي کدوى النحل حتى يصبح. وكان سفيان الثوري إذا غفل عن نفسه فأكل كثيرا يقوم الليلة كلها ويقول: إن الحمار إذا زيد في علفه زيد في تعبه في بقية الأحمال الشاقة، وكان طاوس - رحمه الله - يفرش فراشه من العشاء، ويصير يتقلب عليه، ويئن إلى الصباح لا ينام، وكثيرا ما كان يقوم في العشاء إلى الفجر شاخصا، وكثيرا ما يمكث جالسا مطرقا إلى الفجر لا يتكلم. وكان يقول: إن خوف جهنم أطار نوم العابدين.

وكان السلف الصالح رضي الله عنهم- يعرفون وجه من نام عن قيام الليل، ويقولون: ما رأيناك في الحضرة الإلهية، وقد حضر فلان وفلان، وفرقوا عليهم التحف، وكان يعيب بعضهم على بعض النوم على فراش وطيء له. وكان بعضهم قعد على فراش حين قدم من سفر، فنام عن ورده تلك الليلة، فحلف أنه لا ينام على فراش حتى يموت. وكان عبد العزيز بن أبي داود يفرش له الفراش، فيضع يده عليه ويقول: ما ألينك ولكن فراش الجنة ألين منك ثم يقوم إلى صلاته، فلا يزال يصلي إلى الفجر. وكان الفضيل بن عياض يقول: إني لأقوم الليل فيطلع الفجر فيرجف قلبي، وأقول: جاء النهار بما فيه من الآفات.

وكان بشر الحافي، وأبو حنيفة، ويزيد الرقاشي، ومالك بن دينار وسفيان الثوري، وإبراهيم بن أدهم يقومون الليل كله على الدوام إلى أن ماتوا، وقالوا مرة لبشر الحافي: ألا تستريح لك في الليل ساعة؟ فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قد قام حتى تورمت قدماه، وقطر منهما الدم مع أن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكيف أنام أنا ولم أعلم أن الله غفر لي ذنبا واحدا. وكان الحسن البصري يقول: ما ترك أحد قيام ليلة إلا بذنب أذنبه تفقدوا نفوسكم كل ليلة عند الغروب، وتوبوا إلى ربكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت