فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 341

لأنه في مقام كتابة مقالات لا يتسع المقام فيها لزيادة شرح وتعليق. أضف إلى ذلك أن حرصه على العبارة الأدبية والمغمز الشخصي أكبر من حرصه على إيضاح الخطأ. حتى أنه لما عرف بالمذهب وبغايته أتى به في الهامش وليس في المتن كما سبق أن وضحنا في المبحث السابق.

وقد رأى جمعة ذات الغاية لكنه تناولها بتفصيل أكبر، وتميز بتعليل علمي حاول به أن يبين بمنطقية خطأ المؤلف وسبب تناقضه وعدم فهمه. فالدكتور طه حسين لم يتخذ سوى مذهب ديكارت لأنه ظن أن ديكارت إمام المتشككين، ولأنه هو شديد الشغف بالشك لذاته لتمام الموافقة بينه وبين مزاجه وعقله [1] . أما ديكارت فليس كذلك، وكل مؤرخي الفلسفة يقرّون ذلك في كتبهم، بل مؤلفات ديكارت ذاتها شاهدة بأن فلسفته مبنية على عبارة يقينية هي: أنا أفكر فإذن أنا موجود. والحكيم الصادق لا يستطيع أن يتلذذ بالشك الدائم لأن الشك حال سلبية، والعقل السليم لا يقر له قرار إلا على حال إيجابية، حتى لو كانت جحودًا أو إنكارًا مطلقًا [2] .

إلى ذلك ذهب الغمراوي حين قال: (لم تكن عظمة ديكارت راجعة إلى أنه شك، ولكن إلى أنه تطلب مخرجًا من الشك واهتدى إلى طريقة في البحث خرج بها إلى بحبوحة اليقين) [3] . فالدكتور طه حسين خلط بين الشك والمخرج من الشك، فجعل الشك القاعدة الأساسية للمنهج الذي ابتغى ديكارت أن يتخلص به من الشك [4] .

فبالرغم من أن الغمراوي ممن أفرغ جهده في نقد المنهج؛ إلا أنه اقتصر كما قلنا على النواحي العلمية كما نرى هنا، وقد فاقه جمعة بهذا الاستبطان الفلسفي الذي ربط به بين نفسية المؤلف واختياره للمنهج.

(1) ـ 17.

(2) ـ 18.

(3) ـ 115.

(4) ـ 116.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت