شاعرين إلا لوجوه تعتمد في الترجيح، فتاريخ الأدب لا يسيَّر على مثل كلمة المؤلف الساذجة (وفي الحق أن هذا ليس بشيء) .
أما القصة والقصيدة التي يكفي النظر فيهما لردهما فقد عاد الخضر فيهما إلى المراجع، وبين أنها وردت في الأغاني، ولم يكن في سياقها ما يقتضي المبادرة إلى إنكارها، كما أن طريق روايتها لا يبلغ من الشدة أن يفيد علمًا أو ظنًا قريبًا منه، فهي محتملة لأن تكون واقعة وتلقي راويها لها من جماعة يدل على أن القصة دائرة على ألسنتهم مستفيضة فيما بينهم [1] ؟ وهكذا استطاع الخضر أن يستنبط مما عاد إليه من المنقول فساد حكم المؤلف النقدي.
تحدث الدكتور طه حسين عن قصة البسوس التي اتُّفق على أنها طوِّلت ونميت في الإسلام حين اشتد التنافس بين ربيعة ومضر من ناحية وبين بكر وتغلب من ناحية أخرى. ومهلهل بطل هذه القصة عظم شأنه بمقدار القصة، ولسنا ننكر الخصومة بين القبيلتين في العصور الجاهلية القديمة ولكن آثارها ذهبت جميعًا ولم يبق منها إلا ذكرى ضئيلة استغلها القصاص؛ لأن النبوة والخلافة ومظاهر الشرف كانت في مضر، وحتى يستطيع العرب من ربيعة أن يؤمنوا لمضر بهذه السيادة. وخاض في الخصومة بين بكر وتغلب إلى أيام جرير، الأمر الذي لم يُصَعِّب تصور كثرة الانتحال حول هذه القضية. وقد تركت قصة البسوس لمهلهل صورة أقرب إلى الأساطير، ومن هنا قال ابن سلام إن العرب كانت ترى أن مهلهلًا كان يتكثّر ويدعي في شعره أكثر مما يعمل. والحق أن مهلهلًا لم يتكثر ولم يدع شيئًا، وإنما تكثرت تغلب في الإسلام ونحلته ما لم يقل، وزعمت أنه أول من قصد القصيد، ثم أحسوا أن في هذا الشعر اضطرابًا واختلاطًا فزعموا أنه لهذا سمي مهلهلًا. فشعره فيه اضطراب،
(1) ـ 325.