وغفل عن أن القدمة والسابقة لو كانت شيئًا في أفعال الناس فليست شيئًا في الأديان، إذ الأديان ليست من عند البشر، أو هكذا يعتقدها أهلها على الأقل. ومن اعتقد كذلك لم يلتمس لها شرفًا مستمدًا من الناس، سواء أعرقوا في القدم أم أعرقوا في الحدوث [1] . توصل الغمراوي إلى هذا بعد طرحه كثيرًا من الأسئلة غفل عنها المؤلف كان ينبغي أن يأخذها بعين الاعتبار حتى يتسم بحثه بالعلمية، وهذا أسلوب شائع كما وضحنا سابقًا في ردود الغمراوي. والملاحظ أن ما وجه إليه رده هو سبب اختلاق القصة، ونفاه بمنطقية. لأن هذا السبب الذي رآه دافعًا لنحل الشعر ليس مقبولًا في سياق الكلام عن الدين [2] .
ذكر الدكتور طه حسين أمر"كليمان هوار"الذي قارن بين القرآن وشعر أمية بن أبي الصلت ووجد بينهما تشابهًا، فاستنتج وجوب كون النبي صلى الله عليه وسلم قد استعان به قليلًا أو كثيرًا في نظم القرآن، مما حمل المسلمين على محاربة هذا الشعر ليستأثر القرآن بالجدة وليصح كونه وحيًا. ثم علق بأنه ليس يعنيه أن يكون القرآن قد تأثر بشعر أمية أو لا يكون فهو لا يؤرخ القرآن ولا يذود عنه ولا يتعرض للوحي وما يتصل به، وإنما يعنيه شعر أمية وأمثاله من الشعراء، فلم يصل شعرهم إلا من طريق الرواية والحفظ وهذا يكفي للشك في صحته. ومحاربة المسلمين لشعر أمية تكفي ليضيع هذا الشعر كما ضاعت الكثرة المطلقة. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأمية متعاصرين، فلم يكون النبي هو الذي أخذ عن أمية ولا يكون أمية هو الذي أخذ عن النبي. ثم هو يعتقد أن شعر أمية وغيره من المتحنفين انتحله المسلمون ليثبتوا أن للإسلام قدمة وسابقة [3] .
(1) ـ 238.
(2) ـ محمد أبو الأنوار / 138.
(3) ـ 82، وما بعدها.