كان رد الرافعي على هذا الزعم من عدة نواح: أولها أنه لا دليل على صحة خبر النهي عن رواية شعر أمية، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم استنشد شعر أمية وما زال يقول"إيه إيه"حتى استوفى مائة بيت. وكل ما عرف عن أمر النهي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن رواية القصيدة التي رثى بها أمية قتلى المشركين في بدر، وهي مع ذلك لا تزال مروية في كتب السير إلى اليوم. فإن وقوع النهي لا يقتضي محو المنهي عنه [1] . ثانيها أن المؤلف لم يرد على"كليمان هوار"كون القرآن من نظم النبي بل سكت عن هذا وقال ليس يعنيني أن يكون القرآن تأثر بشعر أمية أو لا يكون. فالأمر عنده على حد الجواز كما ترى [2] . ثالثها رده على عبارة"فلِمَ يكون النبي هو الذي أخذ عن أمية ولا يكون أمية هو الذي أخذ عن النبي"فهي عبارة ناطقة برأى قائلها، حتى كأنه يقول إن القرآن لا ينقصه إلا أن يكتب عليه"تأليف فلان". نعوذ بالله ونتوب إليه ونستغفره [3] . وكل هذه الردود ردود دينية، اعتمدت إظهار خبث نية المؤلف، والتدقيق في عباراته المهيجة. والمنحى العلمي الوحيد الذي نحاه هو في أولها، حين طالب بالأدلة المثبتة وأتى بأدلة مناقضة.
أما رد الخضري فكان لأمر آخر. وهو أن المؤلف مع اختلافه مع"هوار"في الرأي إلا أنه تعرض له في أناة ورفق بدأهما بأنه أشد الناس إعجابًا به. وتساءل الخضري إن لم يكن هناك في سلف المؤلف من علماء الأدب من يستحق شيئًا من مثل هذا الكلام الحلو عندما يناقشهم في آرائهم. ويبدو هنا أن دافعًا تربويًا يكمن وراء هذه الملاحظة التي لم يلاحظها سواه. ثم أضاف إلى هذه الوقفة التربوية وقفة علمية حين نبه كذلك إلى مسألة نهي المسلمين عن رواية الشعر الذي هجاهم به المشركون، فسيرة ابن هشام فيها الشعر الذي قاله المسلمون وبجانبه نقيضه مما قال المشركون [4] .
(1) ـ 139.
(2) ـ 147.
(3) ـ 213.
(4) ـ 50.